أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ٢٦٩

الشرع، فتكون إباحته من الشرع» (1).

ويقول الوارجلاني: «إن المباح خارج من الحسن والقبح، كما أنه خارج من حد الطاعة والمعصية» (2). لأن الشارع منح فيه الضوء الأخضر للعباد أن يفعلوه أو يتركوه وفق ما تقتضيه مصالحهم وأنظارهم. وخروج المباح عن حد الطاعة والمعصية عند الوارجلاني معتبر عند انعدام نية الفعل والقصد إليه، أما عند اصطحابها فالحكم حينئذ يكون تبعا لها، فرب نية حسنة رفعت المباح إلى المندوب المثاب عليه، ورب نية سيئة أحالت المباح مكروها أو حراما معاقبا عليه.

ونظرا لوجاهة رأي الجمهور الذي تبناه أبو حامد وأبو يعقوب، فإن ترجيحه يبدو أمرا منطقيا، فضلا عن كونه متفقا مع عموم الشريعة وشمولها لكل مناحي الحياة البشرية، بما يضفي صبغة الإسلام على كل ما يبتكره الفكر البشري من منجزات تفيد الناس أفرادا كانوا أم جماعات، في كل الميادين الاقتصادية والتربوية والاجتماعية والسياسية، فيتحقق قوله

تعالى: (قُلْ إِنْ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة الأنعام: 162]. وقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) [سورة

الذاريات:56].

فدخول جنس المباحات تحت أحكام الشرع يجعلها عبادة يثاب صاحبها بما معه من نية صالحة ويحقق وحدة التصور الإسلامي الشامل لكل مناحي الحياة، فتكون كلها مرتبطة بالله، إذ لا فصام في الإسلام بين

شؤون الدين وشؤون الحياة.

(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 75. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 63.

-263 -