أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ٣٢٨

ينزل عن درجته القطعية، لورود الشبهة عليه بدخول المتكلم ضمن أهل الإجماع. بينما لو خالف العوام هذا الإجماع لم تسلبه هذه المخالفة صفة القطع، لأنه لا اعتداد بالعوام في الإجماع اتفاقا، لعدم أهليتهم للاجتهاد، وهو أساس الإجماع، بل إنهم مكلفون باتباع المجتهدين، وتقليدهم بصريح أمر القرآن لهم بالسؤال وليس بعد السؤال إلا الاتباع؛ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [سورة النحل:43].

ورغم هذا فإنه يتصوّر دخول العوام في الإجماعات التي يشترك فيها الخواص والعوام، كالصلوات الخمس، وأركان الإسلام). أما إن شدت طائفة عن إجماع العلماء فرأي الوارجلاني أنه «إن ظهر الفساد في قولها، والعناد في فعلها، عُوفوا من اجتماع الأمة وافتراقها، وكان إجماع المجتمع حقا عند الله، وصار الشاذ شاذا» (2). وضرب مثلا بما يروى عن السكاكية أنهم أنكروا السنة والرأي). وأن ليس ثمة إلا كتاب الله، ولا حاجة لنا إلى ما سواه، لقوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا في الكتاب منْ شَيْءٍ) [سورة الأنعام: 38]. والأصل أن يحاشي منهم كتابنا، غير أن الله لم يحاش من كتابه الكلب والخنزير والكافر» (). وتصوير الوارجلاني لمنزلة هؤلاء الذين خرقوا الإجماع، بيان منه لأهمية هذا الدليل وقوة الاحتجاج به، وخطورة إنكاره، وما يجره هذا الإنكار على المسلمين من تناقضات وابتداع في الدين.

(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 255؛ الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 181. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 256. (3) - فرقة منشقة عن الإباضية، تزعمها أبد الله السكاك، لها آراء شذت بها عن الإسلام وتبرأ الإباضية منها لهذه الانحرافات.

(4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 256.

-322

1