أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا
الجزء ١ · صفحة ٣٥٠الأول
نحسب أن الأقرب إلى الواقع في المسألة التفريق بين عصر الصدر الصحابة والتابعين وبين العصور التالية فلا يستحيل أن تشذ من مدارك الشريعة وأدلة الأحكام عن الصحابة قبل عصر الجمع والتدوين، وقد كانت السنة متفرقة في الصدور، والصحابة منتشرون في الأرض للدعوة والجهاد، وابتغاء الرزق من فضل الله.
واحتمال إيجاد قول ثالث بعد اختلافهم في المسألة على قولين، يعدّ
احتمالا منطقيا، نظرا للعوامل المذكورة.
هذا
من جهة الافتراض العقلي، ومن جهة الدليل النقلي، فإننا نستسمح الغزالي في فهمنا لحجية الإجماع وعصمة الأمة، أنهما ضمنا لهذه ين توافر شرطهما، وهو الاتفاق. ولا يكون الاتفاق بدليل
الأمة
الخطاب، إذ عدّه اتفاقا على عدم وجود قول آخر. ولكن هل يبقى هذا الاستنتاج أو الاستدلال محصورا في دائرة الاختلاف على قولين؟ أم إنه استدلال، عام يمكننا أن نسحبه على اختلاف الأقوال مهما بلغت عددا؟ فنقول إن الاختلاف على تسعة أقوال اتفاق على عدم وجود قول عاشر في المسألة؟
الحق أن عدم القول بالشيء ليس دليلا على القول بعدمه، ولهذا فإن موافقة الغزالي في استدلاله بحجية الإجماع تعكر عليها هذه الأسئلة، ويكون حظر إحداث قول ثالث بالنسبة للصدر الأول تضييقا من سعة
رحمة الله.
أما بعد الصدر الأول فقد ضبطت أدلة الأحكام، ودونت السنة، وحفظت من الوضع والدخيل ضمن موازين الجرح والتعديل، وتميزت علوم الشريعة واجتمعت للمجتهدين وسائل البحث واكتملت لديهم آلة الاجتهاد. فإذا ما استفرغوا جهودهم في المسألة واختلفوا على قولين، فإن
إحداث قول ثالث بعد ذلك يعدّ نسبة للأمة إلى الغفلة والتضييع. ولا يمكننا رغم هذا أن نعتبره خرقا للإجماع، لأن حجية الإجماع
-344 -