أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ٣٥٣

ولكنه لم يرد. ومع ذلك فإنه لا يقطع ببطلان مذهب القائلين بثبوت

الإجماع بخبر الواحد، ووجوب العمل به (1).

الترجيح:

إن كون الإجماع دليلا قاطعا أمرٌ مسلّم به، ولكن هذا لا يستلزم التلازم بين حجية الإجماع وبين طريق نقله إلينا، فقد ينقل إلينا متواترا، وقد ينقل آحادا. ولا شك أن الطريق الأول أقوى في الثبوت وأولى بالقبول، كما، السنة حجة قطعية ثبتت حجيتها بأدلة كثيرة، ولكن أغلبها نقل إلينا بواسطة أخبار الآحاد، ولو شرطنا التواتر في نقلها لضاعت أغلب أحكام الشريعة، وطمست معالم الدين.

فالإجماع يجب العمل به متى حصل الظن، به، وذلك حاصل بنقله

بطريق الآحاد، قياسا على السنة، ولا فرق.

يتم

وقد يؤدي اشتراط التواتر في نقل الإجماع إلى استحالة نقله على صعيد الواقع العملي، لاختلاف الإجماع عن السنة في طريق النقل، فالسنة قولا أو فعلاً أو تقريرا، يمكن نقلها، متواترة لأن مصدرها واحد هو الرسول ويستمر نقلها بصفة التواتر في كل حلقات السند، أما الإجماع فلا غالبا حصوله في لحظة واحدة ومكان واحد مما يجعل تحقق نقله متواترا شبه مستحيل لاختلاف أمكنة المجتهدين وأزمنة إصدارهم الفتوى في المسألة محل الاجتهاد ولذلك يبعد أن يشاهد أهل التواتر بأسرهم كل واحد من المجتهدين المجمعين شرقا وغربا، ويسمعوا ذلك منهم ثم ينقلونه إلى عدد متواتر ممن بعدهم، وهكذا دواليك. ونرى ترجيح الرأي القائل بعدم اشتراط التواتر في نقل الإجماع

(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 217.

-347 -