أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا
الجزء ١ · صفحة ٣٧٨واعتراضاتهم على بعض أدلة الجمهور في إثبات القياس. ومن ذلك احتجاج الجمهور بآية (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُف} [سورة الإسراء:23]. مستدلين بأنها تدل على تحريم الضرب والأذى الجسمي من باب أولى.
ولكن ابن حزم شنّ هجوما عنيفا على هذا الاستدلال كعادته في مناظراته ونقد لآراء مخالفيه - فذكر أنه لو لم يرد في حق الوالدين غير قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُف. لما كان فيه تحريم ضرب الوالدين، ولا قتلهما، ولما كان فيه إلا تحريم قول "أف" فقط. ولكن لما قال الله تعالى في الآية نفسها وَبِالْوَالدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كلاهما فلا تَقُلْ لَهُمَا أُفَ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَريماً﴾ [سورة الإسراء:23]. فاقتضت هذه الآيات والألفاظ من الإحسان والقول الكريم وخفض الجناح والذل والرحمة لهما، والمنع من انتهارهما، وأوجبت أن يؤتى إليهما كل بر، وكل خير، وكل رفق، فبهذه الألفاظ وبالأحاديث الواردة في ذلك وجب برّ الوالدين بكل وجه وبكل معنى، والمنع من كل ضرر وعقوق بأي وجه كان لا بالنهى عن قول "أف" … » (). وأكد ابن حزم القياس لما كان لبقية الآيات من معنى، ولكن الواقع أن لكل لفظة معنى غير معنى سائر ألفاظها، ولكنهم جَرَوْا على عادة لهم ذميمة من الاقتصار على بعض الآية والإضراب عن سائرها، تمويها على من اغتر بهم، ومجاهرة الله تعالى بما لا يحلّ من التدليس في دينه» (2).
أنه لو كانت لفظة "أف" مفيدة لما ذكره أهل
من
الآية
ولقد تتبع ابن حزم أدلة أهل القياس وشواهدهم واحدا واحدا، وردّ عليها بهذا الأسلوب الحادّ واللهجة القاسية، وأفرد لذلك قسما كبيرا من
(1) - ابن حزم، الإحكام، ج 7، صفحات 57 - 58.
-
(2)
ابن حزم، الإحكام، ج 7، ص 58.
-372 -