أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا
الجزء ١ · صفحة ٣٧٩كتابه "الإحكام في أصول الأحكام، كما حالفه التوفيق في بعض الردود على شواهد الجمهور، فبيّن أنه لا قياس فيها، كما في المثال السابق، الذي استبعد الغزالي نفسه تسميته قياسًا، «لأنه لا يحتاج فيه إلى فكر واستنباط علة، ولأن المسكوت عنه فيه أولى بالحكم من المنطوق به، ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به، ولا مشاححة في الأسامي» (1). إلا أن الغزالي ببراعته واستنتاجاته المنطقية استطاع أن يفرغ كنانة
الظاهرية من معظم السهام. والواقع أن منكري القياس لم يكن هدفهم من موقفهم إلا التمسك النصوص، وصيانة الشريعة من الاضطراب والأهواء، كفعل مدرسة
بحمى
الحجاز أول مرة، وقد وجدوا من الدلائل ما رأوه حجة لقولهم. وكذلك القائلون بالقياس، لم يريدوا بقولهم مناهضة النصوص والافتيات عليها ولا العبث بأحكام الشريعة وتسليط الهوى عليها، كما اتهمهم بذلك قلم ابن حزم ولكنهم وضعوا شروطا وضوابط دقيقة لصحة القياس، والأمن من هذه المزالق والتهم. وقد وجدوا أحكام الشريعة مبنية على علل ومعان معقولة، يمكن إدراكها بطريق سائغ ومقبول، فأجْرَوا أحكام الشرع على الحوادث
والحالات التي تشتمل على هذه العلل، وهي القسم الأكبر من التشريع. وما استتر عليهم فهم علته توقفوا عنده بلا تكلف ولا محاولة للي أعناق النصوص، وهو حال أغلب أحكام العبادات.
ولا يسع
المنصف إلا ترجيح ما ذهب إليه الجمهور، وإلا لتعطلت
أحكام الشريعة، وقرَت نصوصها المحدودة عن الوفاء بحاجات الناس
والحوادث المتجددة في كل زمان ومكان.
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 281.
-373 -
-