أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا
الجزء ١ · صفحة ٤١٠لقد انتهى جواب أهل اللغة والأصول بعد طول بحث وجدال في المسألة إلى رأيين: أحدهما: أن الله أنشأ تلك الرابطة بين اللفظ والمعنى، وألهمها آدم، ثم تلقاها أبناؤه من بعده بالتعلم والتلقين ثم اتسعت اللغات عبر التاريخ
وتطور الحضارات، وتنوع أنماط الحياة في مختلف بقاع الأرض. واستشهد لهذا الرأي بقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [سورة
البقرة: 31].
ثانيهما: يميل إلى أن اللغة لم تكن توقيفا من الله تعالى، بل هي من تواضع الناس واصطلاحاتهم التي دفعتهم إليها الحاجة إلى التعاون وتبادل المنافع، كحاجتهم إلى الأكل واللباس والمسكن.
وقد أطال العلماء البحث في هذه المسألة بما لا طائل تحته (1).
وأنفقوا في ذلك من الزمن والجهد والمداد ما لا يقدر بثمن.
وما يفيدنا نحن أن نجزم في مسألة من الغيب لم يرد بشأنها دليل حاسم ولا خبر صريح وقد استقامت الألسن، واستقر التخاطب بين الناس في كل اللغات. وأما قوله تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [سورة البقرة:31]. فقد اختلف المفسرون في معناه ولا دلالة في الآية على معنى حاسم للقضية، فيجوز أن تكون بداية اللغة توقيفا، ويجوز أن تكون مواضعة، ويجوز
أن
تكون توقيفا ومواضعة وعقلا معا، والله أعلم كيف كانت فعلا (2). والخوض في هذه المسألة لا تعلق له بأصل ولا فرع (3). «وهو رجم
(1) - ينظر تفصيل الآراء واستدلالاتها الأسنوي، نهاية السول، ج 2 صفحات 22 - 30. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 44.
(3) - البرادي البحث الصادق، ج 1، ورقة 157 و.
- 404 -