أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ٥٣٩

أو اثنتين، وهو منع نسخ جميع التكاليف، ومنها الإيمان بالله، إذ لا يعرف

النسخ من لا يعرف الناسخ (1). فيكون هذا تكليفا بالمحال. كما لا يجوز أن يكلف الله العباد أن لا يعرفوه، ويحرم عليهم معرفته، لأن ذلك متضمَّن لمعرفته ضرورةً، فكان التكليف بعدم التكليف بالإيمان عين التناقض.

ولم يتعرض في تحديده لمجال النسخ إلى قضية نسخ الأخبار بصريح العبارة، وإنما يفهم من بعض استثناءاته منع نسخ الأخبار الواقعة الماضية، دون المنتظرة مستقبلا، فذكر أنه لا يجوز أن يكلف الله العبد معرفة شيء من الحوادث على خلاف ما هو به، لأنه محال لا يصح

ترکه)) (2)

فعله ولا

وباستحضار تعريف النسخ الاصطلاحي، ورأيي الوارجلاني والغزالي في مجال النسخ نخلص إلى أن النسخ أصلا يقع في الأوامر والنواهي، وهي مناط الأحكام، إذ يُعرف النسخ بأنه "رفع حكم شرعي"، تكليفيا كان أم وضعيًّا، فلا يقع في الأحكام العقلية ولا العرفية. والأحكام الشرعية في أصلها قابلة للنسخ بدون استثناء، خلافا للمعتزلة الذين منعوا نسخ بعض الأحكام بناء على التحسين والتقبيح العقليين. وقد أدرج الوارجلاني في مجال النسخ الإخبار بالثواب والعقاب، باعتبار أن هذا الإخبار نتيجة للتكليف الذي نسخه اتفاقا (2). يصح

(1) - الغزالي المستصفي، ج 2، ص 123. (2) - الغزالي المستصفي، ج 2، ص 123. (3) - يذكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي أن الجمهور استثنوا من الأخبار صورة واحدة أجازوا نسخها، وهي الإخبار بالوعيد، لأنه لا يستلزم أي نقيصة، بل الثابت أن إخلاف الوعد بمقدار ما يكون مستقبحا، فإن إخلاف الوعيد يكون محمودا ومستحسنا، وعليه

-533 -