أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ٥٤٢

الحكم الأول، والخبران هنا متغايران ولا يثبت تعارضهما إلا باتحاد المحل

والزمن.

والأمر يعود في النهاية إلى الاصطلاح، والمعنى متفق عليه، ولا مشاححة في الألفاظ.

وأما نسخ ما سوى الأخبار من مطلق التكاليف بما لا يناقض العقل، ولا يفضي إلى مستحيل فهو وإن كان جائزا عقلا، فإن الواقع التشريعي أفاد أن النسخ لا يطال أصول الدين وأصول الأخلاق، مما هو قدر مشترك بين الشرائع السماوية كلها، وهو ما أوضحته آيات القرآن الكثيرة: شرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وصينا به إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فَيهِ) [سورة

الشورى: 13].

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون} [سورة الأنبياء: 25]. - وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلَنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعبدُونَ} [سورة الزخرف: 45].

- وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (1). وكذلك أسس العلاقات الاجتماعية وما هو من فطرة الإنسان و ضرورات، وجوده كالزواج والأكل والشرب والنوم، فإن نسخها يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، وهو ما قرر الشارع نفيه عن التشريع (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج [سورة الحج: 78]. واجتهاد العلماء في تحديد مجال النسخ ينبغي أن يتقيد بإطار الشرع

ومبادئه، ولا يبقى النظر في مجال الإمكان العقلي المجرد.

(1) - الطبراني، كتاب حسن الخلق، باب 8.

-536 -