أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا: دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا

الجزء ١ · صفحة ٥٤٣

ولذا فإننا لا نذهب مع الغزالي إلى القول بجواز النسخ في جميع الأحكام، حتى لو كانت كفرًا أو ظلما أو كذبًا، وليس ذلك انطلاقا من مبدإ المعتزلة في تحسين العقل وتقبيحه بل لأن النسخ قضية شرعية، ولا بد لتحديد مجالها من استقراء نصوص الشارع لتبيين حدود النسخ على أرض الواقع التشريعي. وقد أثبتت دلائل الشرع أن أصول الديانات وأصول العبادات وأصول الأخلاق، وضرورات الفطرة لا نسخ فيهان فكان التنبيه على ذلك لازما، وإن لم يناقض مقتضيات العقول.

المطلب الثالث: بم يقع النسخ؟

يكون النسخ بآية قرآنية أو بحديث نبوي، أي بالكتاب والسنة، فمصدره الوحي، وهو محدد زمنيا بعهد التنزيل. ولذلك لا يكون النسخ بالإجماع ولا بالقياس، فهما لا ينسخان ولا يُنسخ بهما، وإنما يكونان تبعًا لأصلهما، فإذا نُسخ الأصل تبعه الفرع ضرورة. وقد أورد أبو يعقوب أوجه النسخ بالكتاب والسنة وأجازها جميعا، دون استثناء، فقال: «وجائز نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة، ونسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة، وأخبار الآحاد بأخبار الآحاد، وأخبار الآحاد بالمتواتر، والمتواتر بأخبار الآحاد» (1). ويتفق الغزالي مع هذا الرأي، ويعلله «بأن الكل من عند الله وجل، فما المانع منه، ولم يُعتبر التجانس مع أن العقل لا يحيله، كيف،

عز

(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 225.

- ory -