أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا
الجزء ١ · صفحة ٥٤٩وذهب آخرون إلى جواز ذلك في عهد النبوة، مستدلين بقبول أهل قباء خبر الواحد في تحويل القبلة، وقبول أهل الأطراف أخبار رسول الله وأحكامه من غير حاجة إلى التثبت والتواتر، إلا إن شكوا).
وإذا ما ثبتت صحة الخبر وجب العمل به دون اشتراط التواتر، ومن وجوه العمل به نسخه للكتاب والسنة المتواترة، وفوق هذا فإن أبا يعقوب يرى أن رواية الصحابي وقوله: "نسخت آية كيت وكيت" مقبول، بل لو قال: "الخبر الفلاني، والآية الفلانية منسوخة"، فإننا نحسن الظن به ونحمله على السماع، وهو ظاهر روايات الصحابة. أما إذا كان قوله متأولاً عن اجتهاد لا عن سماع، فرأيه مثل رأي المجتهدين (2). وإذا نظرنا إلى حجج من منع نسخ المتواتر بخبر الآحاد فإننا نجدها بادئ الأمر على جانب من القوة والوجاهة، ويتأيد هذا الرأي بقول عمر ه لفاطمة بنت قيس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، فكان جواب عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت، ذكرت أم نسيت» (3). فردّ عمر العمل بخبر الآحاد ولم يقبله مخصصا ولا ناسخا للمتواتر
من الكتاب والسنة. ولكن التحقيق أن الاحتجاج بهذه القصة في غير محله، وحادثة عمر لا دلالة فيها على بطلان تخصيص أو نسخ لمتواتر القرآن والسنة، وإنما هو اجتهاد من عمر في المسألة، إذ لم يطمئن شخصيًّا إلى حفظ فاطمة بنت قيس، وليس عمله إنكارا عاما لتخصيص أو نسخ خبر الواحد
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 232. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 233. (3) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 154.
-543 -