رحلة نضال
الجزء ١ · صفحة ١٨كان شغوفًا بالوديان وسفوح الجبال، يهوى البراري والصيد والمغامرة، أكّد لي ذلك الأستاذ المهندس (خليفة سليمان) صديقه ورفيق دربه في الغربة، والعارف بأحواله أيام وجوده في نالوت والجبل وطرابلس(1)، وخير مثال على رسوخ هذه الركائز في الشيخ محمد حبه وشغفه بالوديان ومن يسكنها، ما كتبه في مقالته (على ضفاف وادي الثلث)(2) وهو من وديان نالوت الكبيرة، إضافة إلى كتابته بأسماء شخصيات من نالوت عُرفت ببساطتها وروحها المتواضعة، منها من لا يعرف القراءة ولا الكتابة، غير أنّها نالت فضل الصحبة مع الشيخ محمد فخلّد ذكراها في مقالاته وكتاباتها، منها (سالم نوح) و (مسعود يحمد) و (أحمد عسكر) وغيرها من شخصيات نالوت التي بقت محفورة في ذكراة الشيخ محمد حتى مماته،(3) كل هذه السجايا تلقفها الشيخ محمد في طفولته من الجبل الذي يتوّق إليه، على الرغم من فراق السنين وبُعد المسافات!
****
ثم انتقلَ بعد هاتين المرحلتين إلى مدينة غريان ليكمل تعليمه الثانوي، إذ لم يكن في جبل نفوسة حينئذ مدرسة للتعليم الثانوي إلا في أقصى الشرق من الجبل، في مدينة غريان، التي تبعد عن نالوت قرابة 240 كم. وكان أيضًا بمعيّة أهله ووالده الشيخ بعد انتقاله إلى هناك لظروف العمل في وزارة التربية والتعليم(4)، فكانتْ هذه المرحلة من أهم المراحل الشبابيّة التي صقلت الشاب محمد في سعيه ونشاطه بُغية
(1) حوار أجريته مع المهندس خليفة سليمان 28 أكتوبر 2024 م.
(2) هو واد في نالوت يقع شمال غرب المدينة، يبعد عن نالوت 30 كيلو متر.
(3) ينظر في ذلك: الإمام، سالم، كاتب وأسماء، مقالة منشورة في مجلة الإنقاذ، كتبها الكاتب يرثي فيها الشيخ محمد علي يحيى معمر، في العدد 45، سنة 1995 م، ص 40.
(4) هناك من يشير بأن الشيخ محمد كان بمفرده في غريان، ولم يكن مع أسرته، غير أنّ الشيخ سليمان الشيباني والأستاذ علي العكرمي أكدا لي وجود الشهيد وأسرته في تلك المرحلة في غريان نظرًا لظروف العمل في وزارة التربية والتعليم.