رحلة نضال: لمحات من حياة وفكر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني) خالد علي إبراهيم إبراهيم

رحلة نضال

الجزء ١ · صفحة ٢٤

لمهاجمة المكتبات، وحرق الكتب الصفراء التي تعرقل تقدم المجتمع، فكان خطاب زوارة هو الخطاب المقصلة الذي آذن بتطاير رقاب المثقفين في البلاد"(1) وكان الشيخ محمد ضحية هذه الاعتقالات، ويصف ذلك الدكتور شكري السنكي فيقول: "اعتقل محمد علي يحيى معمر عقب خطاب القذافي في العام 1973 م بمدينة زوارة الساحلية الواقعة في غرب ليبيا، والمسمى بـ"خطاب زوارة" والذي سماه معمر القذافي بـ"الثورة الثقافية" وبقي في الاعتقال عدة سنوات قبل أنْ ينجح في الهروب"(2) وعلى الرغم من أنّ الخطاب أطلق عليه خطاب "ثورة ثقافية" إلا أنه كان وبالًا على الثقافة وأهلها وقتذاك، إذ زُجّ بطلبة الجامعات والمشايخ والأساتذة وجمهرة من الأكاديميين في السجن بتهمة الثقافة والعلم وطلبه والاشتغال به!

ومع هذا كله إلا أنّ عزيمة الشباب لم تفتر في شخص الشيخ محمد، فهمّة الجبال الشُّم رضعها محمد من لبان أمه، فأعدّ العدة، وجهز التدابير اللازمة للفرار، وما هي إلا فترة من الزمن قضاها في السجن وإذا به يطير كالباشق خارج أسواره، متمتعًا بحريته رغم سطوة العسس وحكم العسكر، فشقّ الشاب طريقه خارج حدود وطنه؛ مخالفًا هوى قلبه الذي يتلهّف لجلسات وادي الثلث وشعابه، وجبل نفوسة وسفوحه، تعصف به الذكريات نحو أيام قضاها مع الخلان والرفاق والأصدقاء، إلا أنّ قضاء الله غالب على أمره، يُغادره مكرهًا فارًا بدينه ووطنه، وفي نفسه بصيص أمل يراوده ويُمنّيه بالعودة والرجوع حتى أخذ الله أمانته.

(1) حوار كتابي مع الأستاذ علي العكرمي، كان مساء السبت، 3 نوفمبر 2024 م.

(2) ينظر: السنكي، شكري محمد، ضمير وطن سيرة رجال واجهوا الاستبداد وقاوموه، مكتبة الكون -ط 1، سنة 2021 م، ص 230.