رحلة نضال: لمحات من حياة وفكر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني) خالد علي إبراهيم إبراهيم

رحلة نضال

الجزء ١ · صفحة ٢٥

الشيخ محمد وأيام السجن

بعد أنْ قُبض على الشيخ محمد سنة 1973 م، وأودعته أيدي النظام في السجن، استمر معه التحقيق لأيام، ذاق فيه أشدّ صنوف التعذيب، لا سيما الأيام الأولى التي كان فيها في سجن "الحصان الأسود" بسبب انضمامه لحزب التحرير الإسلامي، ونشاطه مع مجموعة من رفاقه في نشر التعاليم الدينية، والفكر السياسي الإسلامي الذي ينادي به الحزب لأجل توعيه الشباب وفتح آفاقهم تجاه السياسة وما يدور في البلاد وقتذاك، إذ كانت صراعات قائمة بين الأفكار بصنوفها وأطيافها في المجتمع الشبابي في ليبيا لا سيما في الجامعات كجامعة طرابلس وبنغازي، وعلى الرغم من سجنه ووجوده داخل قضبان الحديد إلا أنه لا يزال يمارس حقه في المحاورة والاختلاط والتعرف على الأفكار والبحث فيها، يقول أحمد الماقني: "وفي السجن تعرّف [الشيخ محمد] على الكثير من الرموز الوطنية على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم الفكرية وكان يحاور الجميع؛ فكوّن بذلك صورة أوضح عن الخارطة السياسية والفكرية في ليبيا .. "(1) من خلال هذه الفكرة نعرف ذلكم الخضم الذي عاشه الشيخ محمد في السجن، والأسباب التي أدت إلى وجوده هناك، إذْ المبررات ليست واضحة؛ اللهم إلا مغامرات الشباب في حب الاطلاع والتجربة، فما كان من الحكومة إلا أنْ تقمع هذا الشغف بالسجن والتعذيب، وكان بالإمكان احتواء أمثال هذه الأفكار وصقلها ومباحثتها مع علماء من البلاد وخارجها وكسب هؤلاء الشباب واحتوائهم، إلا أنّ لغة القمع والجلد كانت مقدمة على أي شيء فكان ضحية ذلك مجموعة من شباب ليبيا النجباء بين سجين وقتيل وطريد والله المستعان.

(1) الماقني، أحمد، العطاء، مجلة الإنقاذ، العدد 45، ص 6.