رحلة نضال: لمحات من حياة وفكر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني) خالد علي إبراهيم إبراهيم

رحلة نضال

الجزء ١ · صفحة ٤٧

عند اقترابنا من منطقة القابل، وصار مفرق التكوت والغزايا خلفنا، أشار عليّ محمد بيده أنْ خفّف السرعة، فقد اقتربنا من الطريق الفرعي المؤدي إلي تزاويت، محمد يدرك المنطقة جيدًا ويعلم مخابئها، ويخبر الطريق الفرعي الذي يؤدي إلى أملاك عائلته في اتزاويت والقابل، سلكنا الطريق الترابي الصخري ثم اتجهنا إلى القابل، إلى النقطة القريبة من الجبل (تتنقوشت)، ويعتبر هذا الجبل من تفرعات سلسلة جبل نفوسة غربا إلى مقربة من الحدود التونسية. تنقسم منطقة القابل إلى منطقتين؛ سفلى، وأخرى عليا. المنطقة السفلى تقع على مقربة من الجبل تعرف بالقابل السفلي، أما المنطقة العليا والتي تحتضنها امتداد سلسلة جبل تتنقوشت تسمى بالخنقت أو القابل العلوي. كان الوداع الأخير بيننا في القابل السفلي.

كان الوداع والعناق الأخير بيني وبينه والذي كانت تخالجني فيه الرهبة وينازعني فيه الغموض والحيرة والخوف من المجهول، المجهول الذي سوف يلاحقنا جميعًا. لم أكن أدري ما مصير الواحد منا بعد ذاك اللقاء الذي بعده لم نلتق وجهًا لوجه. نبهني محمد أنّ الوقت يداهمنا فسلمت عليه سلامًا حارًا وودعته بالدعاء والحفظ. لا زلتُ أرقبه من مرآة السيارة وهو يمشي بخطى حثيثة كأنه يعلم مقصده، فارقني وأنا أدعو الله له بالصبر والثبات والحفظ. ركبتُ السيارة وعدتُ من حيث أتيت دون توقف، وقبل أن أصل إلى البيت انتبهت إلى مؤشر عداد بنزين السيارة وإذا به يشير إلى الانتهاء، حمدتُ الله سبحانه وتيقنت أنه هو الله المدبر لرحلتنا هذه وهو المدبر لرحلة الفارّ من ظلمات السجن والسجانين.

الرحلة الشاقة بالأقدام (رحلة اختراق الحواجز الجبلية) الرحلة التي بدأت بعد ذلك الوداع تبدأ من لحظة تخطيه منطقة القابل السفلى المنبسطة، إلى المنطقة العليا المسماة بالخنقت، ثم الصعود إلى أعالي إحدى أدرع السلسلة الجبلية الممتدة من