رحلة نضال
الجزء ١ · صفحة ٦٢عامًا، فعظم الأثر بعظم الفقد والمفقود، ولم تكن هي وحدها من تأثرت بذلكم الأثر بل جمهرة من زملائه وأصدقائه في العمل، أجْريتُ مع بعضهم حوارات صوتية ومرئية، رأيتُ الدمعة في أعينهم، وسمعتُ العبرة في أصواتهم، بكاء المتحسر المتوجع على عَلَمٍ من أعلام ليبيا العظام، يقول الأستاذ الطاهر الجعيدي: " بفقدنا للشيخ فتحي فقدنا جزءًا من الوطن" ويقول أيضا: " كان أمة في رجل" ويقول: " لو فتّشت ليبيا بأكملها فلن تجد أمثال الشيخ فتحي إلا قلة قليلة؛ لأنّ أمثال هؤلاء عملة نادرة لا تقدر بثمن .. "(1) أضف إلى ذلك فإني وقفتُ على جملة من النصوص والخواطر التي خطّها العارفون بالشيخ محمد، يرثونه فيها ويذكرون مناقبه، وعبّروا عن ألمهم وحزنهم الشديد بهذا الفقد العظيم الذي أصابهم وأصاب الوطن. من تلك النصوص ما قاله أبو طه: " كان رحمه الله مجاهدًا رابط الجأش، ذا عزم، شديدًا في مواقفه عزيزًا في نفسه، كريما في خلقه، حصيفًا في رأيه وقورًا أينما حل، وفير الاحترام قليل الكلام، شاءت إرادة الله تعالى أنْ يلقى ربه في ديار الهجرة؛ لينضمّ إلى صفوف الشهداء من عائلته ومن أبناء وطنه وملته، نتضرع إلى البارئ جلت قدرته أن يتقبله قبولا حسنا وأن يبارك له في حسناته ويتجاوز عن سيئاته … "(2) بهذه السجايا والشمائل وصف أبو طه الشيخ محمد ــــ رحمه الله ــــ إذْ بها عرفه أصحابه وعليها فارقهم، فكانت خير مكرمة أن يموت المرء على مبادئه ودينه ووطنه.
يقول الأستاذ علي الرز: " يمضي محمد علي يحيى، وعزاؤنا فيه أنه انضم إلى صور نقية في هذا العالم المليء بالزيف والفساد، صور أشقائه التي طالما تمتم وهو يرقرق الدمع فوقها، يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيمًا، وعزاؤه في رفاقه أنهم
(1) حوار أجريته مع الأستاذ الطاهر الجعيدي 18 نوفمبر 2024 م.
(2) أبو طه، أبو يحيى كما عرفته، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 45.