رحلة نضال
الجزء ١ · صفحة ٧٢ذلك كان يظهر التواضع والبساطة في كل ذلك، ويصف ما أشار إليه الأستاذ مفتاح منصور في خاطرته عن الشيخ فتحي الموسومة بـ (الشيخ .. والبحر) فيقول: "رحل الشيخ [أي محمد (فتحي)] صامتًا كما يحلو للبعض أن يسمّيه، وهم لا يعرفون أنّ صمته كان صمت القادر لا العاجز، صمت الغني بعقيدته وفكره وموقفه، صمت الذي يصفح الصفح الجميل بعيدًا عن الإسفاف والغرور والمباهاة، الصمت الناطق في حدّ ذاته لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .. "(1) وهذا ما جعل التواضع سمة ظاهرة جلية في شخص الشيخ محمد، ومما هو جدير بالإشارة والذكر في هذا المقام ما خطّه السنوسي بلالة عن الشيخ محمد فيقول: "لقد تميّز الشيخ محمد علي يحيى بإيمانه وثقته بالله أولًا، والثقة بالنفس ثانيًا، ومن هنا فهو كان يخيل لعارفيه دائمًا أنه ليس ممن استهوتهم الدنيا بمباهجها وزينتها، بل إنه يومًا بعد يوم يزداد يقين العارفين به أنه متطهر من أغلب المغريات والمطامع الدنيوية، وأنه يسعى بعلمه وتعامله مع الآخرين نحو الآخرة قدر ما استطاع إلى ذلك من جهد وعطاء"(2).
ويؤكد ذلك أيضًا من صاحبه في العمل السياسي الدكتور محمد المقريف فيقول: " كان من أكثرنا علما، ومع ذلك فقد كان أكثرنا تواضعا وأقلنا تطلعًا للجاه والمنصب والمكانة"(3) ولا أظنه كان أقلهم طلبًا للجاه والمكانة، إنما كان لا يطلبها أصلًا، وزاهدًا عن ذلك كله، ومع ذلك فإنّ ما قاله الدكتور المقريف في حق الشيخ محمد تتجلى فيه أعظم القيم البشرية، وهي التواضع لا سيما إنْ كان مقرونًا بالعلم والعمل، حيث إنه يظهر عمق فهم الشيخ محمد في الحياة ووعيه بالمسؤولية النضاليّة والوطنيّة التي تجعله يزهد عن الدنيا وقشورها مستبعدًا كل المكاسب الشخصية
(1) منصور، مفتاح، الشيخ .. والبحر، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 34.
(2) بلالة، السنوسي، خاطرة من مقام الحزن، مجلة الأنقاذ، عدد 45، ص 36.
(3) المقريف، محمد يوسف، الرجال الجبال، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 31.