رحلة نضال
الجزء ١ · صفحة ٧٨المسئولية الحقيقي، وليس الاسمي فقط. فالمسئولية كانت تعني عنده - من خلال أقوال رفاقه ومعاصريه - الصدق مع النفس ومع الآخرين، وتعني أيضا تحديد الهدف. ووضع المنهج المناسب لتحقيقه، فالمسئولية عنده - بتعبير آخر مختصر - عبارة عن مهمة بذل وعطاء، وليست منصب امتياز واحتكار، ولذا فقد تعامل محمد علي يحيى مع كافة المسئوليات التي اضطلع بها وفقا لتلك الرؤية التي أضفت عليه بدورها كل مع مسح التوفيق والسداد … "(1) بهذه الصورة كانت إدارة الشيخ محمد وتوليه للمهام. وهذه شهادة من شهد حاله وعرف عمله وعلمه، وكما قيل " ما بعد التمام إلا النقصان" و "لا عطر بعد عروس"!.
3 - الحكمة وحسن التصرف:
علاوة على ما سبق ذكره من سمات قياديّة فإنه كان يتسم بالحكمة وحسن التصرف، مع نفسه وأهله، مع الآخر في العمل وغيره، وفيما يأتي بعض المواقف والنماذج التي تؤكد حقيقة هذا البُعد وأثره في حياة الشيخ محمد ـــــ رحمه الله ـــــ فمن حكمته وبعد نظره إبان خروجه من السجن تمزيقه لسجل الزائرين كي لا يتأذى أحد من الزائرين له أيام وجوده في السجن، وإخفاء أمر هروبه على من كان معه حتى أعز أصدقائه، إضافة إلى ذلك تخفيه باسم حركي وعدم الإفصاح عن هويته، وقدرته على إخفاء آلامه وأحزانه، كل ذلك منصب في حكمته وتعقله على الرغم من صغر سنه وحداثة تجربته حين خرج من السجن، إذ كان عمره في أواخر العشرينيات وكانت عنده هذه القدرة على التصرف والحكمة وكأنه صاحب تجربة وخبرة!
وهذا ليس ما أذكره أنا فحسب، بل ثمة شواهد وشهادات ممن عاصروه وعاشوا معه أيام حياته في مصر وأمريكيا، من ذلك ما قاله السنوسي بلالة: "لقد تميز محمد
(1) بلالة، السنوسي، خاطرة من مقام الحزن، مجلة الإنقاذ، عدد 45، ص 37.