رحلة نضال: لمحات من حياة وفكر الشيخ محمد علي يحيى معمر (فتحي الباروني) خالد علي إبراهيم إبراهيم

رحلة نضال

الجزء ١ · صفحة ٩٦

الطبية "الشيح" و"الروبيا"، كما يطالعك مجموعات شجيرات الحلفاء تداعبها النسمات كما تداعب الأمشاط شعور الغيد.

ولا تملك أحيانًا إلا أن تمد يدك لتقطف بعض أزهار "القازول" و"القيز" وأزهار "الأقحوان" المختفية عن أشعة الشمس في ظلال شجيرات أكبر منها، وتتدلى أمامك عناقيد "عنب الذيب" وتمرات "النبق" وعنيقدات "القضوم".

وتستمر نزولًا حتى تنتهي بك تلك الشعاب إلى فم الوادي، فتغمرك تلك الفسحة الواسعة بدفقة ارتياح تسري حتى الأقدام التي يصيبها الكلل حتى تكاد تتعثر، ومن بعيد تبدو أشجار النخيل تطاول عنان السماء هنا وهناك، وتلوح أشجار التين (الكرموس) في خضرة يانعة قاتمة كأديم البحر.

(الكرموس)!؟ آه الكرموس إنها لا تعني مجرد فاكهة صيفية محببة للنفوس، و (اللاوية في الهاوية)، إنها لا تعني في تلك الأوكار سوى الخروج من هذا العالم "المُعَلَّب" إلى العالم الفسيح الذي يمتد أمامك إلى نهاية الأفق، ويخرج بك من الحياة المعلبة .. الأكل المعلّب .. المياه المعلبة .. البيت المعلب .. الأغاني المعلبة في اسطوانات .. القصص المعلبة في أشرطة .. الضحكات المعلبة على الشفاه .. الحزن المعلب في القلوب .. والسياسة المعلبة في وسائل الإعلام .. السنوات المعلبة في ذاكرة المهاجرين.

سنوات معلبة! عشرون سنة مضت ووادي الثلث لا يبارح الخيال، ونسماته تنعش الذاكرة كلما أصابها شيء من الكلال .. حشد من ذكريات الطفولة والصبا والكهولة، عشرون سنة والملامح ترتسم بكل دقائقها وتفاصيلها .. هنا ساقية "الماجن" الكبير، ومن هنا طريق إلى "غار" عمي ساسي، وهذه كرمة جدتي أم السعد، وهناك زريبة "الجديان" تحذر أن تصيبك أشواك السدر، وهذه "رشادة