الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ١٣٢ليصفو الجو لأصحابه من الرستميين وأخذ أبو بكر برأيهم، فأمر بقتل ابن عرفة بحضوره سرا، دون علم العامة (60). ولما علم أتباعه بذلك، وتيقنوا من القاتل، أعلنوا التمرد والعصيان، وطالبوا بالثأر، وأنقسمت العاصمة
والبلاد الى كتل اجتماعية متنافرة، كل واحدة تريد الوصول الى الحكم.
«<
ولما رأى أبو بكر ما آلت اليه البلاد من فوضى، واتهامه بالقتل، اعتزل السلطة، وخرج من تيهرت كما خرج أبو اليقظان معتزلا الفتنة ومن اشتبه في أمره بمن فيهم أخوه أبو بكر. وخرج كثير من التيهرتيين، فبقيت العاصمة بيد القبائل والطوائف المختلفة، لم يستقر لها قرار، اذ أفسدت فيها، وقامت بينها حروب. خاصة بين هوارة ولواتة، «وحميت فيما بينهم حمية الجاهلية وجرت بينهم الحرب سمعة ورياء (61). ولما قوى الرستميون، وأشمأز الناس من تلك الفتنة، ورأوا ضرورة الرجوع الى الحكام السابقين، استقدموا أبا اليقظان وبايعوه بالامامة سنة 261 هـ (62)، الا أن الاحوال، لم تستقم له، الا بعد سبع سنوات، قضاها في محاربة ابن مسالة، أحد الاطراف البارزين في الفتنة. وفي عام 268 هـ، استطاع أبو اليقظان أن يدخل تيهرت بمساعدة النفوسيين الذين استنجد بهم، فأعلن العفو العام عما سلف، وعقد صلحا مع القبائل كلها (63). وشمر عن ساق الجد ليواصل مسيرة أبيه وأجداده، وينقذ البلاد من الفوضى، ويعيد لها
هناءها وازدهارها
(60) ابن الصغير: ص 35، يبدو أن أبا بكر بالصفات التي وصفها به ابن الصغير نفسه: كان سمحا جوادا لين العريكة يسامح أهل المرؤات،، لا يقوى على تدبير مؤامرة القتل، فضلا عن القيام بها بنفسه؛ لهذا أرجح ما ذهب اليه علي يحيى معمر في أن القاتل الحقيقي لابن عرفة، ليس هو أبا بكر ولا أخاه أبا اليقظان، وانما طائفة من الطوائف التيهرتية التي أرادت أن تبيت خير الاباضية، كما يذكر ذلك ابن الصغير في كثير من المناسبات وقد استطاع علي يحي معمر، في نظري أن يحلل أحداث هذه الفتنة تحليلا منطقيا مقبولا. أنظر: الاباضية ج 4، ص 45 وما بعدها. ابن الصغير ص 51، الدرجيني طبقات، ج 1، ص
(61) ابن الصغير: ص
39
83
(62) نفسه، ص 40، الباروني: الأزهلر، ج 2، 237، محمود اسماعيل: الخوارج، ص 130
(63) ابن الصغير: ص 40 - 41.
-124 -