الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ١٣٩الاباضية الى الكتمان من جديد بعد أن سادت ردحا من الزمن في
المغرب العربي.
ويبدو
ولا يفوتني هنا، أن أشير إلى بعض ملاحظات المؤرخين الذين يرون أن تاريخ الدولة الرستمية سلسلة من الفتن والثورات، وأنها لم تعرف الاستقرار (89) فلا أكون مبالغا اذا قلت إن أولئك قد غالوا في مقالاتهم، أن الدافع لهم الى ذلك اعتمادهم الكلي على ابن الصغير الذي كتب خصيصا في تفصيل الفتن أسبابها ونتائجها، مما أظهر وكأن الدولة الرستمية عاشت كل تاريخها في الفتن رغم أن ابن الصغير يشير وبكل وضوح من حين لآخر الى فترات الهدوء والاستقرار والازدهار ويبدي اعجابه البالغ كلما اقتضت الضرورة ذلك
ثم ان تلك الفتن، اذا وجدت فعلا، فانها متقطعة شأنها شأن باقي الدول (90)، وكانت نتيجة منطقية لما بلغته تيهرت خاصة من ازدهار ثقافي واقتصادي ومستوى معيشي راق، مس كل القبائل حتى البدوية منها، وبالتالي تضاربت مصالح طبقات المجتمع وفئاته المختلفة، وتجاوزت في بعض الاحيان قدرة الحاكم، وكان للأغنياء دور بارز في كل مراحل ذلك الصراع. وفي النهاية حكموا على المجتمع بالشتات، وعلى «العمران بالخراب، وأهدروا الأموال في الباطل وقضوا على النشاط العلمي بالتراجع» (91). واذا كان للاغنياء هذا الدور الخطير في حياة الدولة الرستمية، فان للعلماء، وزعماء المذاهب، دورا أخطر، اذ يمثلون أقطاب
(89) اين تاويت: دولة الرستميين، الصحيفة المذكورة، م 5، عدد 21 136، الميلي: تاريخ الجزائر، ج 2، ص 72.
-
115
،
ص 115، محمود اسماعيل: الخوارج (90) يذكر الدكتور عبد العزيز سالم أن المغرب الأوسط في عهد عبد الرحمن بن رستم شهد شيئا من الهدوء والأمن
ص
لم يعرفها من قبل، بينما كان المغرب الأدنى (أفريقية) يضطرم بنار الفتن والثورات أنظر المغرب الكبير، العصر
الاسلامي، ج 2، ص
550
(91) احسان عباس: المجتمع التاهرتي، الاصالة عدد 45، ص
34
- 131 -