الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٢٠٩،
ومن مظاهر التبادل التجاري بين الرستميين والمشارقة اباضية البصرة، ما كان بين أئمة الاباضية أنفسهم، حيث يروي لنا ابن سلام أن الامام عبد الوهاب بعث الى الامام الربيع بن حبيب باثني عشر ألف درهم أو دينار اشترى بها الربيع جهازا من البصرة وبعث بها الى أخيه في تيهرت فجمع عبد الوهاب تجار العاصمة فقال لهم «اشتروا جهاز هذا المشرقي واشتروا له (به) حوائجه عندنا بالعجلة وأخرجوه عنا لكي لا يعلم منا تقصيرا في أمورنا فاشتروا منه وقضوا حوائجه في ثمانية أيام وأنصرف» (59).
إن هذه الرواية التي تساهم بها المصادر الاباضية في كشف الغطاء عن مظاهر النشاط الاقتصادي للدولة الرستمية، تشرح بوضوح مدى اهتمام أئمة الاباضية بالتجارة والتجار، ومدى الارتباط المتين بالمشرق رغم بعد المسافة وصعوبة المسالك، كما أنها تشير الى كثرة التجار بتيهرت ودورهم في الحياة الاقتصادية، الا أن هذه الرواية كغيرها لم تحدد ماهية الجهاز أو نوعية السلعة.
ولعل أبرز بضاعة كانت الدولة الرستمية تستوردها من المشرق، هي الكتب لكثرة قرائها وعلمائها، فالمصادر الاباضية تروي عن الامام عبد الوهاب أنه «بعث ألف دينار الى اخوانه من أهل المشرق بالبصرة … ليشتروا له بها الكتب. فلما وصلهم الالف، اجتمعوا واتفقوا أن يشتروا بها رقا ويدفعون من أنفسهم اجبر والأقلام وعولة الكتاب فأخذوا في النسخ فنسخوا له أربعين حملا من كتب، فبعثوا بها اليه ((60). إن هذه الرواية رغم طابعها الفكري المتميز نلاحظ منها جانبها الاقتصادي البارز، ومدى
والمبتدئين
، ص
(59) ابن سلام: شرائع الدين (مخطوط) ورقة 36 وأنظر الشماخي: سير ص 161 الباروني عبد الله: سلم العامة 30 هامش رقم 2، يذكر هذا الاخير بدل الجهاز السلعة دون أن يحدد نوعيتها (60) أبو زكرياء: سير، ص 65 وأنظر: الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 56 - 57 حيث يقول بأنهم اشتروا له بالالف ورقا وتطوعوا بالمداد واجرة النساخ … ولعل الورق أضبط من الرق لأن بغداد في هذه الفترة (بداية القرن الثالث الهجري) كانت تنتج كمية ضخمة منه وكذلك الأندلس على أكبر تقدير.
14
-201 -