الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٢٢٩السنة مطيرة، الأمر الذي يبعث الكلاً ويكون المستنقعات. ولتجنب خطورة فقدان الماء، ربما يلجأ المسافرون التجار، الى حفر آبار لا يتعدى عمقها نصف قامة في بعض المناطق التي تكون فيها المياه الجوفية قريبة من السطح. والحقيقة أن سر هذه المعرفة، تحتفظ بها بعض القبائل دون غيرها (59)، كما أن لقبيلة مسوفة مثلا «المعرفة بأوضاع البر وأشكاله والهداية فيه والدلالة على مياهه بالصفة والمذاكرة (60)
6
وهكذا يبدو واضحا خطورة قطع الصحراء، وبالتالي فان التجار جندوا كل شيء لضمان نجاح رحلاتهم، وأكتسبت بعض القبائل من ذلك
خبرة خاصة.
ومن الاحتياطات التي كان التجار يتخذونها لعبور الصحراء الكبرى ما يرويه لنا الادريسي عندما يقول «وصفة السير بها أنهم يوقرون أحمالهم السحر الأخير، ويمشون الى أن تطلع الشمس ويكثر نورها في الجو ويشتد الحر على الأرض فيحطون أحمالهم ويقيدون أجمالهم … ويخيمون على أنفسهم ظلالا تكنهم من حر الهجير وسموم القائلة ويقيمون كذلك الى أول وقت العصر وحين تأخذ الشمس في الميل والانحطاط في جهة المغرب يرحلون من هناك ويمشون بقية يومهم ويصلون المشي إلى وقت العتمة ويعرسون أي وصلوا ويبيتون بقية ليلهم الى وقت الفجر الأخير ثم يرحلون وهكذا سفر
التجار الداخلين الى بلاد السودان على هذا الترتيب لا يفارقونه: (61): ان هذا الوصف الدقيق الذي أفادنا به الادريسي مهم جدا في معرفة الخطوات التي كانت القوافل تتخذها، وهو وصف يبين بشكل واضح ما
(59) الادريسي: ص 11.
(60) ابن حوقل: ص 101، ويذكر ابن بطوطة أنه اكترى دليلا من مسوفة ليسافر معه الى مالي بالسودان أنظر رحلته
، ص 678
(61) الادريسي: ص 18. وهناك وصف آخر قريب من هذا لمشاق عبور الصحراء ذكره ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 2، ص 12.
-221 -