الدولة الرستمية 160-296هـ: دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية إبراهيم بن بكير بحاز

الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية

الجزء ١ · صفحة ٢٤١

وحدها، وانما يؤخذان الى خارج حدودها، فاذا كانت الخزينة الرستمية تستفيد من الدور الوسيط الذي تلعبه في هذه التجارة، فهل كانت تفرض رسوما على القوافل الخارجة من حدودها؟ وهل كانت تستفيد من التجار الذين لا يستقرون في مدنها، على الأقل من زكواتهم التي لاشك أن تكون كبيرة بكبر حجم التجارة العابرة للصحراء؟

لا أثر يدل على ثبوت شيء من هذا، الا أننا لا ننفي اطلاقا مساهمة هذه التجارة في رفع المستوى الاقتصادي للدولة، على الأقل بفعل عبور مثل تلك الأموال الذهبية الضخمة على أسواقها، وهو ما يترك حيوية ونشاطا دائبين في تلك الأسواق. ولعل أهم فائدة جنتها الدولة الرستمية تلك القوافل الذهبية، ما دخل دور سكها ليحول الى عملة متداولة أو من حليا يقتنى ويبدو أن استفادة الرستميين من تجارة الذهب كانت بقدر مساهمتهم فيها، فلما كانت هذه ضخمة، أنعكس عنها ازدهار ورخاء في الاقتصاد، ورقي في المستوى المعيشي، وتطور في المجتمع الذي يلوح لنا أنه انتقلت طائفة منه من طور البداوة الى طور الحضارة والاستقرار، وذلك بالمساهمة في تلك التجارة الصحراوية. ومن مظاهر النمو الاقتصادي، والاستفادة من ذهب السودان، وجود الصيارفة في تيهرت، فابن الصغير (104) يحدثنا عن تاجر ثري يدعى أبا محمد الصيرفي، له ضلع بماله الواسع في الفتن التي نشبت في أواخر أيام الدولة الرستمية. فمهنة الصرف أو الصيرفة (105) إن دلت على شيء فانما تدل على وفرة السائل النقدي، وتنوعه الامر الذي يتطلب صيارفة لاستبدال العملات ببعضها، أو لتقييم أوزان بعضها الآخر، وفرز المغشوش منها عن صحيحها، وهذا يمثل أرقى

مظاهر النشاط التجاري والتقدم الاقتصادي.

(104) ابن الصغير: ص 38 - 39، وأنظر الترجمة الفرنسية لموتلنسكي ص 101

(105) عن الصرف والصيرفي: أنظر ابن منظور: لسان العرب المحيط، م 2، دار لبنان العرب، بيروت،

16

-233 -

كلمة «صرف»