الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٢٤٢واذا كان الرستميون قد استفادوا اقتصاديا واجتماعيا، من تجارتهم مع
السودان، فانهم من جهة أخرى أفادوا العالم الاسلامي، وساهموا في تزويده بالمعدن الثمين، وهو بضاعة لا شك أن المراكز الاساسية بالمشرق كثيرة الالحاح في طلبه فضلا عن القيروان التي يعبر خلالها (106). أما الأندلس الذي كان الأمويون فيه، الى القرن الثالث يضربون غير الذهب عملة، فانهم مع بداية القرن الرابع سكوا أول عملة ذهبية لهم، وذلك في غمرة الاضطراب السياسي الذي كان يعيشه المغرب العربي بدخول العبيديين، الذين حاولوا السيطرة على جميع مسالك الذهب، واحتكار التجارة فيها، الأمر الذي يترتب عنه، ولا شك تذبذب وعرقلة في وصول الذهب الى المغرب فضلا عن الأندلس ولا ننسى أن العبيديين كانوا في صراع مع الأمويين وتنافس حاد
معهم
(107)
إن هذه الأسباب كلها، جعلتني أعتقد جزما، أن ضرب أمويي الاندلس لأول عملة ذهبية لهم، في تلك الظروف بالذات، لم يكن ليتحقق لولا الاحتياطي الكبير الذي مولهم به الرستميون من قبل واستطاعوا توفيره فقد كانت أسواق الرستميين ومرافئهم معابر للذهب المشحون إلى الأندلس ولا أستبعد أن يكون السبب في تحطيم الامام أفلح للعباسية، المدينة التي بناها الأغالية على مقربة من تيهرت (108)، هو وقوعها في نهاية مسلك رئيسي لتجارة الذهب مع السودان، وهو المسلك الأوسط، أو المسلك الرستمي البحث إن صح التعبير، وكان على ما يبدو هو المسلك الرئيسي الذي يربط بلاد السودان بالأندلس عبورا على تيهرت، وبالتالي فان بناء مدينة مثل العباسية على مقربة من تيهرت، من شأنها أن تعرقل حركة
(106) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 83، 155، 156، 182، 296، وأنظر الجنحاني الحبيب: العلاقات السياسية المحاضرة المذكورة ص 9.
(107) موريس لومبارد: المرجع السابق، ص 157، الجنحاني الحبيب: دراسات مغربية، ص 68، 89 - 90 (108) البلاذري: فتوح البلدان، ص 236، ابن خلدون: العبر، ج 4، ص
429
- 234 - *