الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٢٤٤عينا
وكثرت اللصوص وقطاع الطرق، كما يخبرنا بذلك ابن الصغير المعاصر للأحداث (114) عوامل من شأنها أن تؤثر سلبا في نشاط التجارة، وهي الرستمية - السودانية، ثم إن الحكام في هذه الفترة لم يشاركوا في تلك التجارة مثلما كانوا سابقا في عهد الامامين عبد الوهاب وأفلح، لذلك نجد تركة الامام أبي اليقظان بن أفلح عندما عدت لا تتعدى سبعة عشر دينارا، وهو الذي زوده الخليفة العباسي بالأموال، قبل مغادرته بغداد، كما أن زهد يعقوب بن أفلح، جعله لا يجس بيده دينارا ولا درهما (115)، فهل هذا الا انصراف عن الحياة التجارية، الى حياة الزهد، وعزوف عن التجارة التي كان أبوهما وجدهما من أبرز المساهمين فيها، كما لا يستبعد أن تكون الفتن هي التي شغلتهما عن النشاط التجاري، ولعلها شغلت، أوردت العديد من التجار الراغبين في المساهمة في ذلك النشاط الحيوي من الاقتصاد الرستمي ولعل هذا الاضطراب السياسي الذي استمر الى أواخر أيام الحكم الرستمي أدى الى اضطراب تدفق الذهب على العاصمة تيهرت، وبالتالي تقلصت الفوائد التي كانت الدولة تجنيها من تلك التجارة، فلم تقو نعلي مواجهة الفتن لقلة وفرة المال. وهذه النتيجة نفسها، أدت الى تقلص جلب البضائع التي تحتاجها. وبذلك ضعف الكيان، وتمادى العدو، والثائر، والمتمرد في عصيانهم. فاجتمعت بذلك العوامل كلها للتمهيد لسقوط الرستميين في يد العبيديين دون مقاومة تذكر. تاركين نشاط التجارة العابرة للصحراء وفوائدها الجمة لهم، ليستغلوها بمختلف الوسائل وأوسعها اطلاقا (116)
(114) ابن الصغير: ص 57، وأنظر الدرجيني الذي يتحدث عن قطاع طريق تعرضوا لقافلة في عهد العامل
الرستمي الاخير على جبل نفوسة أبي منصور الياس، طبقات: ج 2، ص 321 - 322.
(115) ابن الصغير: ص 30، 40، 49، 54
(116) الجنحاني: دراسات مغربية، ص 45 ـ 67
-236 -