الدولة الرستمية 160-296هـ: دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية إبراهيم بن بكير بحاز

الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية

الجزء ١ · صفحة ٢٥٢

هدفه في غزو افريقية (24). لقد كانوا يرون تحريم غنيمة المسلمين. فلم يكن الرستميون من المهتمين اذن بملأ الخزائن، وجباية أنواع متعددة من الضرائب، وانما اكتفوا بالحقوق الشرعية دون غيرها مع بعض الرسوم الواجبه والتزموا بصرفها في وجوهها الشرعية أيضا، دون أن يأخذوا منها شيئا ليس من حقهم. ومثال ذلك ما يرويه لنا ابن الصغير عن خادم الامام أبي اليقظان الذي استسهل أخذ علف فرس الامام من بيت المال، وذلك لما وجد دكان العلف مغلقا، فزجره الامام عندما عرف ذلك، وأقسم في ليلته تلك ألا ينام حتى يرد العلف الى بيت مال المسلمين، ولم يهدأ حتى تيقن من رجوع الأموال الى مواضعها (25). فلم يكن الأئمة الرستميون ممن يؤثرون أنفسهم بالأموال، أو يطلقون لأنفسهم الحرية في التصرف فيها، بل لقد كان الامام يعقوب بن أقلح من الزهد بحيث ماجس بيده دينارا ولا درهما. وكان الأئمة يراقبهم المشائخ من الاباضية الذين يعرفون بالشراة (26). لا يخافون في ذكر مساوئ الامام وهفواته، لومة

لائم، بل لعل الأئمة كانوا هم الذين يراقبون أنفسهم مخافة سخط الشراة واذا كان الرستميون قد انتعشوا بالأموال التي بعثها اباضية المشرق (27) في السنوات الأولى من حكمهم، ودعمت بيت مالهم، كمورد مؤقت غير مستمر، فانهم لم يجدوا هذه المساعدة في السنوات الأخيرة من حكمهم، عندما كثرت الفتن والمنازعات، التي لاشك أنها أرهقت بيت المال ودار الزكاة على حد

سواء، وهو ما عبر عنه ابن الصغير بقوله: «وذهبت الأموال» (28)

(24) ابن عذاري: البيان المغرب، ج 1، ص 119

(25) ابن الصغير: ص 48 - 49 (26) نفسه، ص 23، 54

"

(27) ابن الصغير: ص 11 - 12، وتذكر المصادر الاباضية أحد مشائخها النفوسيين ويدعى أبا مرداس كان اذا أراد الزيارة للأئمة بتيهرت أخذ أموالا من أهل جبل نفوسة فيرفعها الى العاصمة لنفع بيت مال المسلمين. ويعتبر هذا أحد الموارد غير المستقرة أو الدائمة لبيت المال في تيهرت. أنظر: الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 12 - 13،

177

الشماخي: سير، ص (28) ابن الصغير: ص 40.

-244 -