الدولة الرستمية 160-296هـ: دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية إبراهيم بن بكير بحاز

الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية

الجزء ١ · صفحة ٢٥٨

من شأنها أن ترفع مستوى المعيشة في الدولة، الأمر الذي تترتب عنه تحولات جذرية في المجتمع ونسيجه، كظهور الطبقية من أغنياء وفقراء وعبيد، وتحول أعداد من البدو الى المدن. وسكناهم بها ودخولهم شريحة الحضريين

، وهي

الفترة

ففي عهد الامام الأول عبد الرحمن بن رستم، تطورت تيهرت واتسعت اتساعا فجائيا نكاد لا نصدقه، اذ استغرق ثلاث سنوات فقط التي تفصل ما بين المساعدة المشرقية الأولى، التي انتعش بها الفقير وحسنت أحوال الناس في البلاد فشرعوا في العمارة والبناء وغرس البساتين (12)، وبين المساعدة الثانية التي رفضها المجتمع لبلوغه مستوى معيشيا مقبولا يشهد عليه ما وجدته رسل المشرق من تطورات وتغييرات لم يشاهدوها في زيارتهم الأولى، اذ «نظروا الى قصور قد بنيت، والى بساتين قد غرست والى ارحاء قد نصبت، والى خيول قد ركبت، والى حفدة قد اتخذت السور (*)، والعبيد والخدام قد كثرت (13).

وإذا كانت الرسل قد وجدت في الزيارة الأولى عبد الرحمن بن رستم يطين بنفسه شقوقا في جدار بيته المتواضع، الذي لا يضم شيئا سوى وسادة ينام عليها، وسيفا ورمحا وحصيرا فوقه جلد، فانهم في زيارتهم الثانية قصدوه الى قصر له وهم مرتابون من سيرته شاكون في صلاحه، لما هالهم من حضارة البلد وعمرانه، الأمر الذي ظنوا فيه فساد النفوس والاخلاق. ثم إن الغرباء من أهل المشرق والمغرب لا يقصد الواحد منهم.

(12) يذكر ابن الصغير: جنانا في تيهرت يعرف بجنان الأمير يقضي فيه الامام وغيره بعض أوقاتهم للنزهة. ويبدو أن جمال تيهرت وكثرة بساتينها وجناتها هي التي أوحت للمقدسي بأن يصفها بالطيبة النزيهة. أنظر سيرة ابن الصغير، ص 34 - 35، المقدسي: أحسن التقاسيم ص 215

(*) لعل المقصود باتخاذ السور هو اتخاذ الابنية اذ البور هي كل منزلة من البناء، أنظر لسان العرب، م 2،

237 مادة «سور»

(13) ابن الصغير: ص 14.

-250 -