الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٢٦٢والواقع أن نفاث بطعنه في الامام أفلح، لم يكن يساير مراحل تطور المجتمع الذي يعيش فيه، ولم يستطع أن يهضم ما يراه من تغييرات جذرية وسريعة في بلده، وانقلاب حقيقي غيّر المجتمع الذي كان يعيش فقيرا بدويا الى مجتمع ثري تمكنت فيه الحضارة، فلا بد للامام أن يظهر أمام رعيته بالمظهر الذي يتماشى وذوق تلك الرعية، وكان الذوق العام السائد في المجتمع الرستمي، آنذاك كما، آنذاك كما يصوره لنا ابن الصغير وهو أحد الأفراد فيه قائلا لقد عمرت مع أفلح الدنيا وكثرت الأموال والمستغلات «حتى أطفت أهل
الحواجر (*) والبوادي
(26) «
لقد كان لخوف أفلح من توفر الأموال في أيدي القبائل البدوية اذن وجه من الصواب، إذ أصبحت كما توقع فعلا تتكبر وتريد منافسته في ملكه وازالته منه. والواقع أن ابن الصغير يشير هنا الى أمر خطير وهو بداية تفاقم الرخاء الاقتصادي وتحوله الى ضده. فاذا كان الفقر لم يهدد المجتمع الرستمي في يوم من الأيام، كما قلناه سابقا، فان الثراء ووفرة الأموال، بالعكس من ذلك، كانا أهم سلاح بيد أعداء الرستميين الذين أرادوا أن يبيتوا خبر الأباضية ويطفوهم خاصة بعاصمتهم تيهرت حيث التجارة الرائجة والأموال النافقة
أما
في جبل نفوسة حيث المشائخ والشراة من الاباضية فانه هو الآخر قد أصابته النعم في ظل الرستميين، واشتغل سكانه بالدنيا التي أقبلت عليهم رغم تحفظهم الشديد، ويصور لنا أحد المشائخ في ذلك الجبل مجتمعه بأسف شديد. ويقول «قد أدركنا الناس الذين هم الناس محادثتهم ذكر الله تعالى وزيارتهم في الله تعالى، ومعانقتهم في الله تعالى ومحبتهم في الله تعالى،
() أهل الحواجر ربما أهل الحجر وهم سكان البادية في مواضع الاحجار والرمال. أنظر ابن منظور: لسان،
1
مادة
حجره ص
571
(26) ابن الصغير: سيرة، ص 26 - 27
-254 -