الدولة الرستمية 160-296هـ: دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية إبراهيم بن بكير بحاز

الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية

الجزء ١ · صفحة ٢٦٤

واذا كانت وارجلان، انما ورثت هذا الازدهار منذ العهد الرستمي

فكانت بذلك المستوى المعاشي الذي يوجب الافتخار بسبب التجارة مع السودان، فلا شك أن مدنا مثل تنس ووهران وغيرها قد عرفت مجتمعاتها حياة الرخاء بفعل التجارة البحرية مع الأندلس، أو بسبب وفرة الماشية والمنتوج الزراعي، وقد بلغت الدولة فيها نشاطا واسعا.

لقد كان للازدهار الاقتصادي، وتوفر الأموال بيد الناس، نتيجتان إحداهما ايجابية، والأخرى سلبية: أما النتيجة الأولى فارتفاع مستوى المعيشة بسبب السياسة الحكيمة التي اتبعها الأئمة الأوائل من الحكام الرستميين فعمت الحضارة والرقي الاجتماعي جميع شرائح السكان في الدولة واتسعت اسباب الاكتساب والارتزاق بفعل المركز الجغرافي المتوسط الذي تحتله الدولة الرستمية في المغرب العربي ووجودها كنقطة اتصال أساسية بين المغرب الأقصى من جهة والمغرب الأدنى المتصل بالمشرق من جهة أخرى وبين بلاد الأندلس من جهة وبلاد السودان من جهة ثانية، هذا مع ازدهار الزراعة وتنوعها والتمكن في العديد من الصناعات التي سبق أن ذكرناها

لقد انعكس عن هذا الثراء والحضارة الراقبة التي غمرت المجتمع الرستمي نتيجة سلبية على المجتمع نفسه أولا، وعلى الوجود الرستمي ثانيا اذ استغل البعض ذلك الثراء لخدمة مصالحهم الضيقة، وضرب السلطة التي بسياستها اللينة، وسوقها المفتوحة، تمكنوا من اكتناز تلك الأموال، فكانت أيام. الأئمة الأواخر أيام نزاع مستمر بين السلطة الحاكمة وبين الأغنياء الذين تفاقم غناهم وتجاوز قدرة الحاكم السياسية. وربما لضعف شخصية هذا الأخير أي الحاكم، جانب من المسؤولية في ذلك الصراع الذي استمر في نخر جسم الدولة. الرستمية شيئا فشيئا. ولما تمكنت الحضارة من المجتمع، مع غياب الرقابة بفعل الفتن والمنازعات الأخيرة، التي شهدتها البلاد، فسد أهل تيهرت،

-256 -