الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠الأدارسة أن تبلغ مبلغ تيهرت الرستمية في الحياة الفكرية، الدينية منها خاصة، بل لقد كانت تيهرت في رأي الاستاذ بكري (4)، من الناحية الثقافية، بارزة جنبا الى جنب مع القيروان وقرطبة، أكبر عاصمتين مغربيتين في تلك الفترة، تحاكيها وتنافسها.
والحقيقة أن الرستميين، بحكم ثقافتهم الواسعة، شجعوا الحركة الفكرية، فنشطت تيهرت في هذا الميدان، كما نشطت في الميادين الأخرى وطار صيتها في الآفاق مباشرة بعد تعميرها حتى دعيت «عراق المغرب وبلخ المغرب، الحاقا بها في المعارف والعمران والحضارة» (5)، واذا كانت تيهرت، قد برزت كمركز ثقافي مشهور في المغرب العربي، خلال القرن الثالث الهجري (6)، فان ذلك راجع الى كونها عاصمة دولة مستقلة، عرفت نشاطا باهرا في مختلف الميادين، اضافة الى بعض المراكز الثقافية التابعة لها، وكان أبرزها جبل نفوسة وقراه، ويعتبر كهف العلماء ومقصدهم ويشكل جزءاً كبيراً من التاريخ الثقافي في المغرب. ولا أراه يحوز على هذه المرتبة العليا، الا لأن علماءه احتفظوا بتاريخهم، وكان في بعض الأحيان على حساب العاصمة تيهرت نفسها، فضلا عن المراكز الأخرى كوار جلان وبلاد الجريد وبلاد سوف وأريغ، وفي فترة متأخرة مدينتي تنس
ووهران وغيرهما.
ولعل من أبرز الحياة الثقافية في الدولة الرستمية، ما قامت به هذه الدولة من تعميق لجذور الاسلام في نفوس المغاربة، يتجلى ذلك، كما
Bekri Chikh: Ibid، p. 95 (4)
(5) الميلي: المرجع السابق، ج 2، ص 76، الجيلالي: تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص 231 (6) الجنحاني: تاهرت، المجلة التونسية، عدد 40 - 43، ص 40 أحمد أمين: ظهر الاسلام، ج 1، مطبعة خلف، القاهرة، 1377 هـ/1958 م، ص 294، 296. محمود اسماعيل: الخوارج ص 222 - 223. وأنظر الفردبل: الفرق الاسلامية في الشمال الافريقي من الفتح العربي حقى اليوم، ترجمة عبد الرحمن بدوي، للنشر والتوزيع، بنغازي 1969، ص
149
، دار ليبيا
-262 -
1