الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٢٩١الأمة في الشؤون التي تهمهم بالدرجة الأولى، كما فعل عبد الرحمن بن رستم، عندما جاءته أحمال المساعدة من أباضية البصرة (35). فجامع تيهرت، بهذه الصفات، يشبه تماما جامع عقبة بن نافع بالقيروان عاصمة الأغالبة (36)، ولا يختلفان الا في نقطة واحدة يمكن اعتبارها تكميلية، اذ تخصص جامع عقبة في فقه أهل المدينة، بينما يعتبر جامع تيهرت معهدا للدراسات الاباضية من فقه وتفسير وكلام وحديث. وبهذا يكون كل جامع مكملا للآخر في المغرب العربي، وهما رافدان يصبان معا، فيا يمكن أن نطلق عليه، الفكر العربي الاسلامي، بكل ما في الكلمة من شمولية وعظمة وبهذا تعتبر تيهرت، عاصمة الفكر الاسلامي الاباضي، ساهمت قدر
المستطاع في تطور الفكر العربي ونبوغه
أما المشائخ الذين تصدوا للتعليم في الحلقات اضافة الى الأئمة أنفسهم كان لأبي داود القبلي، أحد حملة العلم من البصرة، نشاط واسع في تثقيف
المغاربة وتعليمهم دينهم
(37)
ويعتبر عاصم السدراتي من المعلمين الذين وقفوا حياتهم لهذه المهمة اذ رسم لنفسه خطة، عمل بحرص على تنفيذها، وهي أنه كان يركب ناقته وينتقل بين الأحياء الضاربة في البيداء، يعلم الناس في مضاربهم، ويبين لهم ما يجهلونه من أحكام الدين، فيشق طريقه بين مدن وقرى جبل نفوسة، ثم يقصد غدامس، ومنها يتجه غربا الى جبال الأوراس حيث مواطن قبيلة سدراتة الاباضية، وعند عودته من نفس الطريق يمر بالاحياء الضاربة في الصحراء. واتخذ في طريقه عدة مساجد صغيرة، تعرف عند الاباضية بالمصليات فكان يقيم فيها أياما يلقي دروس الوعظ
(35) ابن الصغير: ص 12، 14
، ص
108
(36) حسن حسني عبد الوهاب: ورقات (37) معمر علي يحي: الحلقة 3، الاباضية بتونس، ص 23.
-283 -