الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٣٤٦ولعل مسألة خلق القرآن، كانت من أهم القضايا التي جرى الجدل حولها، اذ نجد لها نصا مطولا للامام أبي اليقظان (187)، ناقشها بوضوح ليس فيه أي تعقيد. ولا بأس أن ندرج منه هنا هذه الفقرات:
قال الامام محمد بن أفلح، رضي الله عنهما، اجتمعت الامة على أن القرآن كلام الله. ولا يخلو هذا الكلام أن يكون شيئا أو ليس بشيء. فان كان ليس بشيء، فأنى اختلف فيه المختلفون؟ وليس ثم شيء يختلف فيه مختلف أو ينازع فيه متنازع. ولو صح أنه ليس بشيء، لبطل أن تكون رسل الله جاءت بشيء، أو أن يكون الله عز وجل أنزل على أنبيائه شيئا، ولبطل أن يكون ثُمَّ توارة وانجيل أو فرقان. فاذا ثبت كلام الله شيئا، لم يخل هذا الشيء من أحد ثلاثة أشياء: إما أن يكون هو الله، أو بعض الله كالجزء من الكل أو أن يكون غير الله، ليس ثم وجه رابع يذهب اليه أو يقوله قائل، الا من ركب اللجاج وحاد عن طريق الحق وليس لهم مذهب الا أن يقولوا هو الله، فان قالوا هو الله ضاهوا بذلك. اليعقوبية (188) من النصارى الزاعمة أن عيسى هو الله. فيلزمهم في زعمهم أن يكون الكلام هو المعبود المتكلم، السميع البصير، القادر، الباعث، الوارث الاه الدنيا والآخرة.
ذاهب
ثم لا يخلو هذا الكلام بعد كونه شيئا من أحد وجهين: إما أن يكون شيئا قديما أو شيئا محدوثا، فان كان شيئا قديما، فكيف يكون قديم مع الله سبحانه وهو غيره؟ فمن أولى بالربوبية من القديمين حينئذ؟ ومن أحق بالألوهية منهما وهما قديمان متغايران؟
(187) البرادي: الجواهر، ص 182 وما بعدها، أنظر كذلك: جواب الشيخ أبي مهدي عيسى بن اسماعيل، ضمن مجموعة من الكتب المطبعة الحجرية. تونس 1321 هـ، ص 174 وما بعدها
(188) اليعقوبية هي فرقة من فرق النصارى أصحاب يعقوب، قالوا بأن الالاه هو المسيح وهو الظاهر بجده بل هو هو، وعنهم نزل قوله تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم، سورة المائدة آية رقم 72 أنظر الشهرستاني: الملل والنحل، ج 1، ص 225 وما بعدها.
-338 -