الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٣٤٩أخذ معه الى مصر، كما تروي المصادر الاباضية الشيخ أبا خزر يغلا بن
زلتاف من فرط تعجبه بعلمه (199)
وختاما، يمكن القول إن المسائل الكلامية كانت من المواضيع الفكرية التي شغلت العلماء والعامة على حد سواء، في الدولة الرستمية، فلا شك أن تلك المناظرات والمساجلات بين شيوخ المذاهب قد أثرت الحياة العقلية في بلاد المغرب بوجه عام، وأمدت فكر الخوارج بآراء واجتهادات جديدة (200). وكان لتسامح الأئمة، وفسح المجال للحرية الفكرية، أثره في شحذ عزيمة شيوخ البربر على التعمق في دراسة قضايا الدين ومسائل الخلاف، وتمكنوا بذلك كما يقول الجنحاني «من تأسيس مدرسة لها معالمها الخاصة في تاريخ الفكر الاسلامي» (201). وليس بخاف ما لتلك الحرية الفكرية والتسامح المفتوح الذي أظهره الأئمة، اضافة الى آثاره الايجابية من آثار سلبية على الامامة الاباضية اذ أصبحت في الأخير هي الضحية. فكانت الفرق التي فتحت لها تيهرت الرستمية صدرها مثل الشيعة والواصلية والصفرية وغيرها، على رأس من استقبل أبا عبد الله الشيعي لما كان في طريقه الى تيهرت سنة 296 هـ (202)
C
ولئن ضعفت الامامة الاباضية الرستمية من جراء الفتن المذهبية، كما ضعفت قبلها وبعدها أنظمة سياسية في المشرق والمغرب بنفس السبب، فان الحضارة الاسلامية قد اغتنت بانتاج الفرق المختلفة، في ميادين الأدب والعلوم والشريعة. ودلت التجربة «أن المذهبية في المشرق وفي المغرب
(199) الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 138 141 وما بعدها
(200) محمود اسماعيل:: الخوارج:
، ص
222 221
(201) الجنحاني: تاهرت، المجلة التونسية، عدد 43/ 40، ص 41، وأنظر كذلك الفردبل: الفرق الاسلامية في
الشمال الافريقي، ص 149
(202) أبو زكرياء: سير، ص 112، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 94 وأنظر كذلك: Marçais G. et
Ch. Di: Histoire du moyen age. opcit، T.III، p.421
-341 -