الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٣٩٩ان ما ترويه المصادر الاباضية (34) عن أهل جبل نفوسة الذين كانوا في عهد الدولة الرستمية، أكثر الناس حجا، بحيث أنهم كانوا يحجون بنسائهم وذراريهم حتى قيل إنه ولد لهم في ركب واحد ثلاثمائة مولود ذكر، فضلا عن المواليد من الاناث أو النساء اللائي لم يلدن، أو عدد الرجال المرافقين لهذه النسوة، لا تدل هذه الرواية إن صحت (35)، الا على اهتمام الناس بالحج، ولا أرى أن أهل نفوسة ينفردون بذلك وحدهم، بل إن قوافل الحج كانت تخرج أيضا من تيهرت، وفي احداهن اختفى أبو اليقظان وسافر الى مكة (36) ولا أدل على مكانة الحج عند المغاربة في ذلك الزمان، من هم الامام عبد الوهاب لأداء فريضته، وقد خرج فعلا من تيهرت، فلم يمنعه من ذلك الا علماء نفوسة، خوفا على امامهم من عيون بني العباس، ثم إن عبد الوهاب لم يقتنع فأرسل الى العلماء الأعلام بالمشرق يستفتيهم، ولم يطمئن حتى أرسل من ينوب عنه في أدائها (37).
فلا شك أن هذا الاهتمام وهذه الاعداد الكبيرة من الحجاج المغاربة كانت تستفيد من الحج، بالاتصال بمشائخ الشرق وعلمائه، فيتزودون من منابع المعرفة والعلوم، ويستفيدون من دروس الوعظ والارشاد التي لا تعرف التوقف في ذلك الموسم، ومثال ذلك ماكان من عمروس بن فتح وأصحابه الذين دخلوا على محمد بن محبوب، أحد علماء المشرق، في مجلسه فأدناهم اليه تعظيما لهم، ولما تبوأوا للمذاكرة، سأله عمروس عن مسألة فقال ابن محبوب ان كان أبو حفص عمروس في شيء من هذا البلد فهذا السؤال منه، فقالوا له هو السائل، فزاد في دنوه فجعل عمروس يسأله في مسائل
228
(34) الوسياني سير (مخطوط) ورقة 6، الدرجيني: طبقات، ج 2، ص 325، الشماخي: سير، ص (35) يشير ابن الصغير الى حج النفوسيين نسائهم خاصة ويذكر أن الواحدة منهم لا تحج الا بعد أن تستأذن الامام أبا اليقظان بأن تبعث ابنها الى تيهرت. وهذا يدل على اهتمام النفوسيين بالحج فعلا وهو مصداق للرواية الاباضية. أنظر تاريخ ابن الصغير، ص 46 - 47.
(36) ابن الصغير:
ص
27
(37) أبو زكرياء: سير، ص 76، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 66، الشماخي: سير، ص 158
-391 -