الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٤٠٦في سبعين جزءا، لم يصل الى بلاد المغرب منه الا الجزء السادس فقط (63) ومما يدل على كثرة كتب أهل المشرق بالدولة الرستمية قول الامام أفلح يحث رعيته: «عليكم بدراسة كتب أهل الدعوة ولا سيما كتاب أبي سفيان … (64)
ولا أدل على علاقة المغرب العربي بالمشرق من ذلك الرباط الذي لا ينفصم، ولا يزال مستمرا، ويتجلى بوضوح في تقليد المغرب للمشرق، فأيما
مشكلة أو مسألة فكرية نوقشت هناك، الا ونجد أصداءها في المغرب ولقد شاهد المشرق خلال القرن الثالث الهجري تطورا كبيرا في الفكر العربي الاسلامي، حاول المغرب بما أوتي من قدرة مسايرة ذلك الفكر، والوصول الى مستواه ضمن حدوده الجغرافية والزمانية، ولعل في مناظرات المعتزلة لاباضية المغرب (65)، أكبر دليل وأوضحه على العلاقة وأوجه الشبه بين المشرق والمغرب العربيين، وفي حديثنا عن المناظرات الفقهية والكلامية ما أوضح جوانب أخرى من هذه العلاقة وأوجه الشبه (66)
لقد كان لاتصال المغرب بالمشرق، بمختلف أشكاله، الدور البارز في تغذية الفكر العربي الاسلامي بالمغرب، كما كانت العلاقة الثقافية التي ربطت تيهرت، وغيرها من أقاليم الدولة الرستمية، بالعواصم المغربية كالقيروان وفاس وسجلماسة والأندلس، ويبلاد السودان من أهم مظاهر الثراء الفكري لهذه الدولة، وهي تعبّر فعلا عن حياة فكرية غنية ومتنوعة، طالما عمل الحكام الرستميون على دفعها وتنشيطها تماشيا مع حبهم للعلم ورعايتهم للعلماء
(63) الوسياني: سير (مخطوط) ورقة 25، البرادي: الجواهر، ص 218 (64) البرادي: ملحق بكتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي، تحقيق عمار طالبي، ج 2، ص 284، ومما تجدر الاشارة اليه أن كتاب أبي سفيان كثيرا ما كان يعتمده كتاب السير والطبقات الاباضية كالوسياني والدرجيني
والشماخي.
(65) ابن الصغير: ص 44، أبو زكرياء: سير، ص 67، الدرجيني: طبقات، ج 1، ص 57 وما بعدها. (66) أنظر مبحث للمناظرات ضمن العلوم العقلية في الفصل الثالث من الباب الثالث
-398 -