الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية
الجزء ١ · صفحة ٤٨هذا بالاضافة الى اشارات عميقة تمس الجانب الاقتصادي مسا مباشرا لا
يمكن الاستغناء عنها
وقد اطلقنا كامل الثقة على ما كتبه ابن الصغير، وقدمناه على غيره في كثير من الاحيان، لاسباب: أهمها أنه عاصر الاحداث التي أرخ لها أو على الاقل كان قريبا منها زمانا ومكانا، ثم لأنه في بداية كتابه أوضح منهجه التاريخي، الذي استطاع ان يطبقه بحذافيره فعلا، وبين مقصده، فكان محل ثقة اذ يقول «وكانت له قصص حكوها لا يمكن ذكرها الا على وجه، وأن أتم الصدق فيها ولا أحرفها على معانيها ولا أزيد فيها ولا أنقص منها اذ النقص في الخبر والزيادة فيه ليس من شيم ذوي المروءات ولا من ذوي الديانات. وان كنا للقوم مبغضين ولسيرهم كارهين ولمذاهبهم مستقلين فنحن وان ذكرنا سيرهم على ما اتصل بنا وعدلهم فيا ولوه، فلسنا ممن تعجبه طلاوة أفعالهم ولا حسن سيرهم لما نعلمه من براءتهم ممن والاه رسول الله وقال من كنت مولاه فعلي مولاه (53)
وهكذا فان هذا النص يبين لنا ان ابن الصغير كان مؤرخا فعلا موضوعيا نزيها يتحرى الصدق والحق، ويبدي اعجابه وتقديره للأئمة
العادلين من الرستميين رغم عدم قناعته بالمذهب الذي ينتمون اليه (54)
هذه بعض المصادر التاريخية التي اعتمد الباحث عليها، أما غيرها من المصادر، فلا غرابة اذا كان الباب الاقتصادي تطغى عليه المصادر الجغرافية، اذ في هذه الفترة المتقدمة من تاريخ العرب والمسلمين، كان المؤرخون لا يهتمون عادة الا بالامور السياسية، وكانوا بعيدين عن أحداث المجتمع وتطوراته وما يتعلق به من أوضاع اقتصادية، لهذا فان الجغرافيين العرب والرحالة سدوا هذا الفراغ، بما قدموه من ملاحظات ومشاهدات
(53) ابن الصغير، تاريخ، ص 10
(54) عوض خليفات: نشأة، ص 9، وداد القاضي: ابن الصغير، مجلة الاصالة، عدد 45، ص 49 - 53
-40 -