الحوار الإباضي المالكي
الجزء ١ · صفحة ١٢الحوار الإباضي المالكي
هو الدافع الأهم، بل لعله بيت القصيد الذي شدني إلى معاشرة هذين النصين الفريدين في تاريخ المذهبين: إنّ المالكية والإباضية مدرستان طبعتا الحياة في شتى أبعادها بمناطق عديدة من بلاد الغرب الإسلامي. ولئن لم تكن بصمة الإباضية واضحة المعالم في أغلب المناطق، فإنها باقيةً إلى يومنا حضوراً مذهبيًا معيشا؛ كما في وادي ميزاب وجزيرة جربة (بالرغم مما تشهده الجزيرة من مد سياحي ضخم منذ سبعينات القرن الماضي وتطور عمراني بالغ الأهمية وحركية واسعة في المجال السكاني .. ) أو ثقافياً- بالمعنى الأنتروبولوجي للمصطلح - على امتداد رقعة الجنوب التونسي، ومناطق من ليبيا أهمها جبل نفوسة؛ يظهر في العادات والتقاليد وبعض مظاهر لغة الحياة اليومية، أو في الأمثال والسير والحكايات، أو في الموروث الأدبي الشفوي كالأغاني والإنشاد الديني، أو في أنماط ممارسة الطقوس. وهذا في حد ذاته يشكل مجالا خصباً للبحث في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية، لاسيما علوم اللسانيات والبلاغة والنقد من جهة وتاريخ الفكر والأنتروبولوجيا وعلوم
الاجتماع من جهة أخرى.
إنه من خلال دراسة العلاقة بين المذهبين يمكن للباحث أن يكتنه سر الحذر في التعامل بين أبناء البيئتين، ويتبين دوافع الأحكام المسبقة والآراء المتشنجة وحتى الإدانات المتبادلة في ما خلا من العقود إلى درجة أن الباحث قد كان يُواجه، إلى زمن غير بعيد بحيطة أو تكتم عند الاتصال ببعض مشائخ العلم من كلا الطرفين في حين قد تتاح الفرص بأقل حذر أمام الباحثين الأجانب. إنّ هذا قد يُفَسَّرُ بالاحترام الذي يكنه بعض المستشرقين للعلم ورجاله، أو للتعامل الموضوعي الذي يبديه المنصفون منهم مع المذاهب الإسلامية المختلفة على قدم المساواة، أو للنزعة العلمية الدقيقة في البحث عندهم