الحوار الإباضي المالكي
الجزء ١ · صفحة ٥٥الحوار الإباضي المالكي
02
إنّ إستراتيجية خطاب الدفاع عند الغدامسي عن المذهب المالكي خاصة والمذاهب السنية عامة يتخذ منذ الديباجة صبغة الحمل الشديد على المخالف إلى حد طعنه بالزيغ والضلال، وتصويره في صورة عدو الدين؛ فمن السياقات الدالة دلالة غير خفية على التكفير: اشترى الضلالة بالهدى»، و «حارب الله ورسوله وسعى فساداً في أرض الهدى (ف 2) وهذا إعلان حرب عقدي يهدف المناظر من ورائه إلى الإيقاع بالخصم في شرك الكفر.
وتمهيدا لتجييش الرأي العام على المنتمين إلى هذا الفكر، يشرع الغدامسي جنوحه إلى ركوب مطية الكلمة المقاتلة قائلا: «دعاني إلى صدع هذا الباطل وقلع أسه وخلع ذلك العاطل وقلع رأسه الحمية الله ورسوله المستفزة … » (ف 4). وغير خاف ما وراء هذا التشدد في الخطاب من رغبة في إيقاع الرهبة في نفس الخصم ومن طموح إلى قتل الكلمة المخالفة في مهدها ضمن مسعى واضح لإخلاء الساحة نهائيا من الغريم. وهذا ما تحقق فعلا في غدامس؛ إذ اختفى منها الحضور الإباضي اختفاء تاما. إن خطاب التشدد سيحفز همة الإباضية للرد، فكيف ستكون رسالة أبي العباس الشماخي؟
2 - 1 - 3. هواجس خطاب الشماخي وإستراتيجيته في الرد:
مثلما كانت إستراتيجية الغدامسي دقيقة وخطيرة العواقب، كانت فطنة الشماخي لصريح القول وخفي الأهداف عميقة في الوعي بما قد يُدبَّر، فمما يكشف عن أن خطاب الشماخي يرشح بالخشية والتوجس من مجهول قد يحوم، قوله: «تنبيها إلى أنّ أرضنا لا يستنسر بها بغاتُك ولا تستأسد ثعالبك» (ف 12). لقد دقت في ذهن أبي العباس نواقيس الخطر فانبجست