تحطيم التجسيم
الجزء ١ · صفحة ٤٩49
إبطال التأويلات لأخبار الصفات
لا تكذب علي كما كذب عكرمة على ابن عباس.
87
قيل: هَذَا غلط لأن عكرمة ثقة ثقة، وهو مولى لابن عباس وقد أخرج عنه البخاري ومسلم ومالك وأحمد وغيرهم من أئمة أصحاب الحديث. فإن قيل: فهذه الأخبار منام والشيء قد يرى في المنام على خلاف ما هو به، قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها أن النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قصد بذلك بيان كرامته من ربه و قرب منزلته منه، فإذا حمل عَلَى خلاف ما أخبر زال المقصود، ولأن ما يخبر به شرع فهو معصوم فيه وصفات الله عز وَجَل، شرع اعتقادها، وإذا كان معصوما استوى فيه المنام واليقظة لأن رؤية الأنبياء تجري مجرى الوحي، من ذَلِكَ رؤيا إبراهيم، عَلَيهِ السلام، ذبح ولده، ومن ذلك رؤيا يُوسُف عَلَيهِ السلامُ في المنام الكواكب أنها ساجدة له ولأن أعينهم تنام وقلوبهم لا تنام.
فإن قيل: يحتمل أن يكون قوله: رأيت ربي جعدا قططا شابا موفرا " معناه: وأنا جعد قطط أمرد فتكون الصفة راجعة إلى النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كما يقال: رأيت
في
الأمير راكبا يحتمل أن يكون الأمير هو الراكب ويحتمل أن يكون الرائي راكبا. قيل: هَذَا غلط لوجوه أحدها: أنه لم يكن هَذِهِ صفات النبي صلى الله عَلَيهِ وسلم، ولو تغيرت صفته في تِلكَ الحال لأخبر بذلك كما أخبر بوضع اليد بين كتفيه، وكما أخبر بقوله: "فيم يختصم الملأ الأعلى " ولأن ألفاظ الخبر تدفع هَذَا، لأن حديث ابن عباس: عليه" تاج يلمع منه البصر " لو كانت الصفة راجعة إلى النبي صلى الله عَلَيْهِ وَسَلمَ لقال علي تاج وفي حديث أم الطفيل: "رجلاه في خضر عليه نعلان من ذهب (1) على وجهه فراش من ذهب " ولو كانت الصفة عائدة عَلَى النبي، صلى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لقال عَلَى وجهي وعلى فراش وعلى نعلان وعلى أن قائلا لو قال: رأيت الأمير جعدا قططا لم تنصرف هَذِهِ الصفة إلا إلى الأمير دون الرائي كذلك هاهنا. فإن قيل: يحتمل أن تكون هَذِهِ المناظرة التي وصفها في الخبر ترجع إلى ما رأى في الجنة من هَذِهِ الخلق وما زينت به وأنه كان رائيا لربه في جميع ذلك لم يقطعه نظره إليها عنه ولم يشغله عنه.
(1) أخرجه الدارقطني في الرؤيا حديث رقم: 231، وأبو الفرج بن الجوزي في العلل المتناهية حديث رقم: 9، وأبو الفرج بن الجوزي في الموضوعات الكبرى حديث رقم: 194، وابن عراق
الكناني في تنزيه الشريعة المرفوعة حديث رقم: 31.