كتاب شرح النيل
الجزء ١ · صفحة ٣٥٣الفصل الخامس: منهجه في الاستدلال، ونماذج من المسائل التي خالف فيها جمهور الإباضية
353
عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - أفقه من أم المؤمنين ميمونة - رضي الله عنها - عموماً، فلا يُسلم أنه أكثر دراية، وإحاطة منها بهذه القضية خصوصاً، ومن أبي رافع؛ لأنها صاحبة الحادثة، ولأن أبا رافع السفير بينها وبين النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، على أن معرفة حال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند زواجه بميمونة، هل كان محرماً، أم محلاً ليست مسألة موغلة في الصعوبة، والتعقيد حتى تستدعي أن يكون العارف بها متضلعاً من الفقه، متقناً له، فهي في ظني مما يشترك في معرفته أكثر الصحابة، فكيف إذا كان ذلك الصحابي أم المؤمنين ميمونة، وأبا رافع. الوجه الثالث:
رواية ابن عباس واقعة عين تحتمل أنواعاً من الاحتمالات، منها: إن ابن عباس كان يرى أن من قلد الهدي يصير محرماً، والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلد الهدي في عمرته التي تزوج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنه تزوجها وهو محرم، أي عقد عليها بعد أن قلد الهدي، وإن لم يكن تلبس بالإحرام.
وأقول: هذا الاحتمال مقبول لو سلم أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقد عليها بالمدينة، لكن المجيزين لا يسلمون بذلك)، ومما يؤكد أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عقد عليها بعد خروجه من المدينة أن كتب السير، والتراجم أكثرها تذكر أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوجها بمكة، والذي زوجها هو العباس بن
(1) ينظر: ابن حجر - فتح الباري - ج 9، ص 206.
(2) ينظر العيني - عمدة القاري - م 5، ج 10 - ص 197.