جوابات ورسائل العلامة البطاشي
الجزء ١ · صفحة ١٠٢جوابات العلامة البطاشي
وخامسها: حديث الشفاعة، قوله الله فيما يزعمون على أثر كلام طويل: (ثم أشفع فيحد لي حداً فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، فأقول يا رب لم يبق في النار إلا من حبسه القرآن) (1) أي وجب له الخلود على وجبه التأبيد من أهل الفران، وقوله (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (2) إلى ذلك من الوجوه التي لا فائدة في تعدادها، ويكفي عن الجواب في الوجوه المذكورة. الجواب: عن الوجه الأول في إعدادها لأنه الباب المدخول منه إليها، وبشدة كون أشدادها، فتقول الجواب عنه، ونسأل تبارك وتعالى أن يوفقنا في أقوالنا لسدادها: إن الخلود موضوع في لسان العرب لمعنى الدولة المستمر الذي ليس له انصرام (3)، فحديث الخروج ينافيه فهو بمنزلة الأورى من الأنعام، قال تعالى: {وما
تشفع،
(1) روى البخاري (6565) ومسلم عن طريق أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وحاشاه عن ذلك – يجمع الله الناس يوم القيامة فيقولون لو استشفعناه على ربنا حتى يريحنا من مكاننا فيأتون آدم فيقولون: أنت الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر ملائكته فسجدوا لك فاشفع لنا عند ربنا فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته انتوا إبراهيم الذي اتخذه الله خليلا فيأتونه فيقول: لست هناكم ويذكر خطيئته انتوا موسى الذي كلمه الله فيأتونه فيقول: لست هناكم فيذكر خطيئته انتوا عيسى فيأتونه: فيقول لست هناكم انتوا محمد صلى الله عليه وسلم فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيأتونه فأستاذن على ربي فإذا رأيته وقعت له ساجدا فيدعنى ما شاء الله ثم يقال لي: إرفع رأسك وسل تعطه، وقل تسمع، واشفع فارفع رأسي فأحمد ربي بتحميد يعلمني ثم أشفع فيحد لي حدا ثم أخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فاقع ساجداص مثلة في الثالثة أو الرابعة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن. وحقيقة بعد أن رأيت هذا الحديث وقفت مشدوه الفكر مشتت البال أين يا ترى أقدم أأقدم الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه واتفقت الأمة جمعاء على ذلك والذي نص على أنه ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاعة و (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) و (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) و (واتقوا يوماً يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا ينصرون) و (مالكم كم دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (احترت كثيراً كيف أجمع بين ذلك القطعي الورود والدلالة وبين أضراب هذا الحديث وهي كثيرة، وبعد طول تفكر وعمق دراسة تبين أننا أصبنا بداء أصاب اليهود من قبلنا وقع شنع القرآن عليهم كثيرا بسبب ذلك (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة قل أتخذتم عند الله عهداً فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها
ويضعون
خالدون) وقال: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون) اليهود في السابق – كانوا يزيدون في كتبهم حيث لم تكن محفظة من قبل احلق تبارك وتعالى أما في شريعتنا فقد تكفل الله الحق تبارك وتعالى بحفظ كتابه إذن لا مجال للزيادة فيه وإنما المجال أ، يزاد في السنة فأخذ سدنة الأمراء وعلماء اللسان يوطدون للحكام الأمور، الأحاديث التي توافق هواهم وتأمر الناس بالتواكل وتدعوهم إلى عقيدة اليهود فصدق فينا) لتتبعن سنن من قبلكم شيراً بشبرا ونراعاً بذراع) ولكن (لن تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من ضل) وإن سمعوا بالابتداع وخلاف السنة لأنهم لا يوافقون عبدة الأهواء، ويكفيهم حجة دليلهم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ودليل غيرهم حدثنا وأخبرنا الذي دخله الوضع والكذب والافتراء والله المستعان. (2) سبق تخريجه.
(3) اختلف العلماء في الخلود في أصل وضع اللغة إلى قولين:
96