جوابات ورسائل العلامة البطاشي
الجزء ١ · صفحة ١١٣جوابات العلامة البطاشي
وأبيه) (1) وأيضا فإن الحديث عام وهذه لفظة خاصة والخصوص يقضي على العموم كما هو في كثير من المسائل معلوم وأيضاً فإن القسم قد يراد لمعنيين: تعظيم المقسم
به وتأكيد المقسم عليه، ولعله في هذه الكلمة قد سيق لمجرد معنى التأكيد نظر إلى تعظيم المقسم به والله أعلم. (2)
من
(1) عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا رسول الله فإذا هو يسأل عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس صلوات في اليوم والليلة) فقال: هل علي غير من؟ قال: (لا إلا أن تطوع وصيام شهر رمضان، فقال: هل علي غيرها؟ قال: (لا إلا أن تطوع) قال فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أفلح إن صدق وجاء في رواية عند مسلم وأبي داود أفلح وأبيه إن صدق) أو (دخل الجنة وأبيه إن صدق).
الحلف
?
أخرجه البخاري (8191) ومسلم ((11) 8 وأبو داود (391) والنسائي (458) ومالك (175/ 1) وابن الجارود (144) وابن حبان (1742) والبيهقي (361/ 1) وغيرهم. (2) كما ذكر المصنف - رحمه الله - هنا أن العلماء قد اختلفوا كثيراً إلى أقوال عديدة في كيفية الجمع بين النهي عن بغير الله وبين قول النبي: أفلح وأبيه إن صدق مع أن ظاهره انه حلف وقد حرر هذا المقام وأوضح الحجة والحجة فيه شيخنا حافظ العصر إمام السنة والأصول القنوبي -حفظه الله وعافاه، حرر هذه المسألة في جواب له وكم هو جميل ورائع أن يزدان جيد كلامي بسمط كلامه الدري حيث قال ما نصه: اختلف العلماء في ذلك على عدة أقوال: القول الأول: إن قوله "وأبيه " غلط من الراوي، والصواب: وربه أو رب أبيه.
القول الثاني: إن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير أن يقصدوا به القسم، والنهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة القسم. القول الثالث: أنه كان يقع في كلامهم على وجهين، أحدهما للتعظيم، والآخر للتأكيد، والنهي إنما وقع عن الأول. وهذا الرأس قد يرجع إلى الرأي الثاني كما هو ظاهر القول الرابع: إن في الكلام حذفاً تقديره: أفلح ورب أبيه. الخامس: أنه للتعجيب. القول السادس: إن هذا كان جائزاً في أول الأمر ثم نسخ. وهذا فيه نظر لا يخفى على متأمل، وذلك لأن النسخ لا يصار إليه إلا مع عدم إمكان الجمعُ ها هنا مكن، ثم إنه لا يعرف المتقدم من المتأخر من الأمرين، ومن شرط النسخ معرفة المتقدم من المتأخر من الدليلين حتى يحكم بنسخ الثاني للأول، ولا دليل في مسألتنا هذه على أن أحاديث النهي فيها حكم جديد، فتكون ناسخة للدليل الموافق للبراءة الأصلية، إذ يبعد كل البعد أن يكون القسم بنحو: وأبيه " جائزاً ثم يباح مرة أخرى، وهذا كله على تقدير أنه قد أبيح القسم بغير الله أولا ثم نسخ، ونحن نمنع ذلك ونقول إنه لم يبح ذلك البته.
القول السليع: إن ذلك خاص بالشارع صلى الله عليه وعلى آله وسلم دون غيره من أمته ورد بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال. والقول الثاني هو القول الراجح، لأن الأقوال الأخرى ضعيفة جداً، إذ القول بالنسخ لا دليل عليه كما تقدم، وكذلك القول بالخصوصية، على أنه من المستبعد جداً أن يقسم الرسول بشيء من خلق الله تعالى، والقول بالحذف ضعيف أيضاً، لأن الأصل عدم الحذف، ثم إنه قد يخفى على السامع فيلتبس عليه الأمر فلا يحصل البيان، وذلك لا يمكن أن يصدر من الشارع، ولا سيما في مثل هذه المسألة التي شدد فيها النبي صلى الله عليه وسلم أيما تشديد. والقول الأول ضعفه ظاهر، لأن فيه الحكم بلغط بعض الثقات، والأصل أن فيما رواه الثقة الثبوت إلا إذا لم يوجد ما يحمل عليه وأما بقية الأقوال فيمكن أن ترجع إلى القول الثاني. والله أعلم. اهـ
107