جوابات ورسائل العلامة البطاشي
الجزء ١ · صفحة ١٦٢جوابات العلامة البطاشي
وأما ما يكون من الأفعال الباطلة فالبراءة منه لازمة منها على من صحت معه سعادته، وعلى من وعلى من لم يصح لم يصح معه ذلك، لا فرق بين الفريقين إلا في ولاية نفسه، والله أعلم بالصواب. وأما بيان بطلان التحكيم فنقول: إنه باطل لوجهين: أحدهما: أن الله تعالى قد حكم في كتابه العزيز فجعل لقتال الباغين غاية ينتهي إليها، فقال تعالى: فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) (1) فالكف عن قتالهم لأجل التحكيم مخالفة لحكم الله العزيز الحكيم. والثاني: أن التحكيم لو جاز فلا يجوز أن يكون من خصم، وأحد الحكمين عمرو بن العاص الذي شد على عضد معاوية العاص، فكيف يجوز حكمه في صحيح الإمامه، وقد جعل معاوية بن أبي سفيان إمامه، وقد شق بإمامته الباطلة
عصي
المسلمين.
كلا إن هذا شيء ظاهر البطلان، لا يجوز قبوله من علي ولا ممن شايعه على ذلك من الأعوان، ولو سلك الفريقان من يتولاه ومن يبرأ منه طريقة الإنصاف لشهدوا عليه جميعاً بما آتاه من باطل التحكيم، وما بعده من قتل ما أنكره عليه من الفريق المستقيم، وكان كل واحد منهما واقفا على حده الذي يخصه من ولاية نفسه، بحكم الحقيقة والبراءة منه على ذلك، بحكم الظاهر من غير تضليل من
الله في الحقيقة، وإنما تكره منه أفعاله التي فعلها فقط، وقال بعض العلماء: بأنه لو مات على ذلك في رأي العين وأنت على رأسه ولم تعلم منه توبة يجب عليك القطع بسعادته الأبدية، وأنه لا يموت إلا تائباً لعد تبدل علمه تعالى: ولكن اختلفوا فيه إذا مات على الشرك في رأي العين فهل ينزل في حكم الظاهر حيث أنزل نفسه فلا يرثه قريبه المسلم ولا يغسل غسل المسلمين ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين لأن هذا كله من توابع شركه الذي كان منه في حياته الدنيا، تعبدنا الله في حكم الظاهر أن تعامله بما ظهر لنا من أفعاله ويثيبه الله على ما خفي علينا من أحواله، أو أنه بعد موته يعامل معاملة المسلمين فيغسل ويورث ويصلى عليه ويترحم له ويترضى عنه للقطع بأنه لن يموت إلا تائبا وهو ولي الله تعالى، وإن لم نطلع على توبته لكننا نقطع بها، وعلى الأخير الإمام السالمي -رحمه الله - وبعد ذلك رجع إلى
قول جمهور الأصحاب الذي هو القول الأول. ولتعلم أخرى القارئ الكريم أن الحكم ينسحب أيضا على من ثبتت براءته بالحقيقة فإنه إذا عمل البر ينزل حيث أنزل حد العدالة في حكم الظاهر فإنه تقبل شهادته وتجب طاعته إن عقدت عليه الإمامة وحرمت مخالفته في الحق وذلك كله مع اعتقاد البراءة منه بالحقيقة، ولكن تتولى وتحب منه أفعاله الصحيحة ظاهرا فقط والله أعلم.
نفسه فإذا بلغ.
(1) هود (19)
156