جوابات ورسائل العلامة البطاشي
الجزء ١ · صفحة ٦٢جوابات العامة البطاشي
قلت: أقول: إن ظاهر هذا القول مليح مموه، وباطنه قبيح مشوه، لأن الله تعالى ذكر قوله: (يغفر لكم من ذنوبكم .... ) في ثلاثة مواضع في كتابه في سورة إبراهيم، والأحقاف ونوح، فقال في سورة إبراهيم يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم)
أن
فإطلاق دعوته لهم إلى الغفران من ذنوبهم يتناول الدخول في جميع ما علـ ما عليهم يدخلوا فيه من طاعته، والخروج من جميع ما عليهم أن يخرجوا منه من معصيته، فلم يكن هناك تبعيض. ويشهد له قوله: (والله يدعو إلى دار السلام) (1) وقوله: (والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه) (2)
وكذلك إن قيد قوله: ((يدعوكم)) بالدعوة إلى الإيمان به وبرسله، وبما جاء به من عنده، فإن الدعوة إلى الإيمان توطئة وتمهيد للدعوة إلى العمل للصالحات، واجتناب الطالحات، لكونه أساس، والعمل الصالح كالبناء عليه، فلا يغني أحدهما عن الأخر، وقد جعل الله الإيمان والعمل الصلاح قرينتين لا تنفك إحداهما عن الأخرى، وآيات الكتاب المبين، وأحاديث النبي الأمين، تكاد تفوت الحصر في الشهادة على ذلك. وفي معناه ما حكي عن الحسن البصري (3) المشهور بالوعظ أنه خرج في تشييع جنازة نُوار، امرأة الفرزدق (4) الشاعر فقال للفرزدق وهو عند القبر: ما أعددت يا أبا فراس لهذا المضجع فقال الفرزدق: شهادة أن لا إله إلا الله،
(1) يونس (25)
(2) البقرة (221)
،
(3) هو أبو سعيد الحسن بن سيار البصري مولى زيد بن ثابت ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر، كان من كبار أئمة التابعين، رضع من أم سلمة زوج رسول الله ل وكان مشهوراً بالوعظ والحكمة والفصاحة، وقد كان مصاحبا وصديقا للإمام جابر بن زيد رحمه الله - حتى روي أن الإمام جابرا طلب رؤيته عند احتضاره فحضر الحسن، قال الشيخ خلفان بن جيل السيابي -رحمه الله - وصفه هو وعمر بن عبد العزيز، ونحن ما بلغنا عن الرجلين شيء من المنكرات الشرعية بل يبلغنا عنهما أنهما أهل العلم والورع والزهادة الكاملة في هذا الحطام الغاني، ورفضهما للدنيا واستواء حجرها وذهبها عندهما فعلى ما يبلغنا عنهما نرى أنفسنا لا نساوي تراب نعالهما وإذا لم يكونوا هم الرجال فمن إذن؟ أنحن وامثالنا جيف الليل ذباب النهار، أفنينا أعمارنا في البطالة والقيل والقال فكفى بالمرء عيبا أن لا يكون صالحا ويقع في الصالحين .. ونحن لا نبلغ مد أحدهم ولا نصيفه اهـ. توفي في رجب سنة عشر ومائه وهو ابن 87 عاماً (ينظر تهذيب الكمال
(297/ 4
(4) همام بن غالب بن صعصعة التميمي أبو فراس الشهير بالفرزدق. الشاعر المعروف وكان يقال لولا شعره لذهب ثلث لغة العرب، ولولا شعره لذهب نصف أخبار الناس، من الطبقة الأولى. كان لا نشد بين يدي الأمراء إلا قاعداً (ينظر في ترجمته الأعلام 93/ 8، الأغاني 367/ 9.