جوابات ورسائل العلامة البطاشي
الجزء ١ · صفحة ٩٣جوابات العلامة البطاشي
بالنار قوله تعالى: خالدين فيها أبداً والأبد في اللغة اسم للدهر وإسم للدائم فيكون له أن يحتج في دعواه فيقول: إن المعنى خالدين فيها دهراً منكراً يحتمل التنكير لمعنى التقليل والتكثير، وأيهما كان في التقدير فلا ينافي خروجهم من عذاب السعير. فتلك الدعوى لمن قالها من أهل البدع والأهواء، وكذلك إن فسر الأبد بالمعنى الثاني فقيل: خالدين فيها دائما، فإن الدوام قد لا يدل على عدم الانسجام، بدليل قوله تعالى: والذين هم على صلاتهم دائمون) (1) فهنا دوامهم عليها ينقطع بموتهم وبغيره من الأشغال التي لا بد لهم منها في حياتهم فكل هذه التقادير حاملة لهذه الوجوه الباطلة. وكذلك لو قال قائل من رأيه العائل: إن المشركين غير مقطوع فيهم الوعيد، كما قال هؤلاء في عصر أهل التوحيد، واحتج على ذلك بقوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به) (2) وبقوله: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم) (3). فقال: إن الله قد حكم فيهم بحكمين مختلفين: نفي الغفران وإثباته، فلا يقطع عليهم بواحد منها لكان كلامه حاملاً لوجه من الوجوه، وإن كان في الحقيقة باطلا وهلم جرا إلى أن تأتي على جميع أحكام الله في كتابه، وأحكام رسوله في فلن تجد فيهما إلا ما شاء الله ما هو حاصل لوجه من وجوه الحكم ووجه من وجوه الباطل، فلو صح العدول عن واضحات الأدلة، وجاز التشبث بكل علة، والمصير إلى ما يحتمله اللفظ من التأويلات المضلة، لما تميز العلماء من الجهال، والهدى من
الضلال.
سنته،
ولكن أبى الله إلا أن يكون الحق يصدق بعضه بعضاً، ويكذب ضلال التأويل من
القول المرضى، إلا وإن الله أنكر على اليهود أربعة أشياء: أحدهما: قولهم: (لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات). (4)
(1) المعارج (23)
(2) النساء (48)
(3) الزمر (53) (4) آل عمران (24)
87