كتاب فصول الأصول
الجزء ١ · صفحة ١٥٢كتاب فصول الأصول
خلافه في المنطوق فلدليل آخر كانتفاء الزكاة عن المعلوفة قال: الأصل عدم الزكاة في الكل فثبتت في السائمة بمنطوق الحديث، وبقيت المعلوفة على أصلها ولا حكم لمفهومه فهو يثبت أمثال هذه الأحكام على استصحاب الأصل، ووافقه على ذلك جملة من العلماء من غير أهل مذهبه. وهو الأظهر عندي.
(1)
(1) وذهب إلى ذلك ابن سريج والقفال الشاشي وأبو حامد المروزي، وكثير من المعتزلة، وأبو الحسن التميمي من الحنابلة، وبعض المالكية، ومعظم المتكلمين، واختلف النقل عن أبي الحسن الأشعري
هذا وقد احتج كل فريق بحجج واستند إلى أدلة أذكر منها ما يلي:
أ ما احتج به الجمهور: -1 - أن علماء اللغة وأئمتها أخذوا بمفهوم المخالفة، فقد قال كثير منهم في حديث الصحيحين مطل الغني ظلم إنه يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم، ومن هؤلاء أبو عبيدة معمر بن المثنى وتلميذه أبو عبيد القاسم بن سلام. 2 - أن كبار الصحابة - رضي الله عنهم - أخذوا بمفهوم المخالفة، وذلك أن يعلى بن أمية، قال لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ما بالنا نقصر وقد أمنا وقد قال الله تعالي: ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا (القرآن الكريم سورة النساء (مدنية) آية رقم (101) فقال عمر - رضي الله عنه - تعجبت مما تعجبت منه، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته. مسلم (صحيح مسلم بشرح النووي كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب (1) رقم الحديث 686، ج 5، ص 202 وجه الدلالة، أنهما
فهما نفي القصر حال عدم الخوف، وأقر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذلك ولم يذكر. 3 - أن ابن عباس - رضي الله عنهما - فهم من قوله - صلى الله عليه وسلم: إنما الربافي النسيئة نفي تحريم ربا الفضل، ذلك لأنه أخذ بمفهوم المخالفة، والمفهوم هنا الحصر بإنما.
علوم:
لو لم تعتبر مفهوم المخالفة حجة لأدى ذلك إلى خلو التخصيص بالوصف والشرط وغيرهما عن الفائدة التي يستدعيها التخصيص، وهذا أمر لا يصح في عرف الاستعمال، فلو استوت السائمة والمعلوفة - مثلاً - في وجوب الزكاة مع قوله - صلى الله عليه وسلم: في الغنم السائمة زكاة لأدى ذلك إلى إبطال فائدة الوصف، فيكون وروده الغوا في الحديث الشريف. ب أما الحنفية، ومن تابعهم فقد استدلوا بالأتي: لكي يؤخذ بمفهوم المخالفة فإنه يحتاج في ثبوته إلى دليل وهو إما عقلي ولا مجال للعقل في إثباته الأسامي واللغات أو نقلي إما متواتر أو أحادي والتواتر لم يحصل، فيبقى الأحادي لكنه لا يؤخذ به في ذلك.
- أن الأسماء موضوعة للتمييز بين الأجناس كما أن الصفات موضوعة للتمييز بين الأنواع، وقد اتفق الكل إلا قليلاً من الأصوليين على أن مفهوم اللقب لا يعمل به، فكذلك: في الصفة 3 - أن الوصف لوصح أنه موضوع ليدل على التقييد لما جاز أن يرد لغير التقييد، والمعلوم أنه ورد لغير التقييد. - أهل اللغة فرقوا بين العطف والنقض، وقالوا: اضرب الرجال الطوال والقصار - عطف وليس بنقض، ولو كان قولهم: اضرب الرجال الطوال يدل على نفي ضرب القصار لكان قوله: والقصار، نقضاً لا عطفاً. ليس في كلام العرب كلمة تدل على شيئين متضادين - وهنا - تقولون: هذه اللفظة تدل على إثبات الحكم ونفي ضده. -6 - لو كان مفهوم المخالفة حجة، لما جاز تركه بالقياس كما لا يجوز نسخ الخطاب بالقياس. ومما يلاحظ أن أكثر اعتماد الجمهور على المأثور أما اعتماد الحنفية فعلى المعقول.
4
وانظر: البصري أبو الحسين (المعتمد) ج 1 ص 149 - 150، الباجي أبو الوليد (أحكام الفصول) ص 515، الشيرازي أبو إسحاق (شرح اللمع) ج 1 ص 429 - 434) (التبصرة) ص 318 الغزالي (المستصفى) ج 2 ص 197، الكلوذاني التمهيد) ج 2 ص 207 - 214) الأمدي (الإحكام في أصول الأحكام) ج 3 ص 80 - 81، البخاري (كشف الأسرار) ج 2 ص 473، العضد (شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي) ج 2 ص 175 الزركشي (البحر المحيط) ج 5 ص 133 - 143 التفتازاني (التلويج على التوضيح ج 1 ص 269 ابن المرتضى (منهاج الوصول إلى معيار العقول ص ج 1 396 - 404 ابن النجار (شرح الكوكب المنير (ج 3 ص 502 - 50 الأنصاري عبد العلي (فواتح الرحموت) ج 1 ص 414، السالمي (شرح طلعة الشمس) ج 1 ص 261، د. خليفة بابكر مناهج الأصوليين) ص 257.