كتاب فصول الأصول
الجزء ١ · صفحة ٤٤٨كتاب فصول الأصول
واعلم أن الحكم في أصل القياس بعد أن كان متفقاً عليه بين الخصمين، أعني القائس والمعارض إن اختلفا في الملة فاختلافهما لا يخلو من أحد وجهين: فإنه إما أن يكون الخصم يسلم أن تلك العلة التي علل بها القائس هي موجودة في أصل القياس، ولكنه ينكر عليتها، أي: كونها علة للحكم، أو ينكر وجودها أصلاً، فإن كان ينكر العلية ويملل الحكم بعلة أخرى فهذا النوع من القياس يسمى عندهم مركب الأصل لتركيب الحكم فيه على علتين مختلفتين بالنظر إلى كل من القائس وخصمه، مثال ذلك أن يقول الشافعي إن الحر لا يقتل بالعبد كما لا يقتل بالمكاتب
فيقول الحنفي: إنما لم يقتل الحر بالمكاتب لجهالة من يستحق القصاص هل السيد أم ورثته؟ لا لكونه عبداً، (1) فهم متفقون في حكم الأصل، وهو أن المكاتب لا يقتل به الحر إن قتله، لكن خلافهم في العلة ما هي وكذا إن قال الشافعي: حلي البالغة لا زكاة فيه لكونه حلياً مباحاً قياساً على حلي الصبية، فيقول الحنفي إن حلي الصبية لا زكاة فيه لكونه مال صبية لا لكونه حلياً مباحاً (2) فتراهم قد اتفقوا في حكم الأصل وهو حلي الصبية أن لا زكاة فيه، واختلفوا في العلة ما هي بعد تسليم الخصم وجودها، وإن اتفق الخصمان على حكم الأصل - أيضاً - لكن علله القائس بملة يمنع الخصم وجودها فيه، كقياس إن تزوجت طالق على صورة فلانة التي أتزوجها طالق في عدم وقوع الطلاق بعد التزوج.
هندا
فهي
(3)
فإن عدمه في الأصل متفق عليه بين الشافعية والحنفية والعلة عندنا وعند الشافعية تعليق الطلاق قبل ملكه والحنفي يمنع وجودها في الأصل، ويقول: هو تنجيز، فإن هذا يسمى عندهم بمركب الوصف لتركيب الحكم فيه على الوصف الذي منع الخصم وجوده في الأصل، وكلا القسمين المذكورين فاسد لا يقبل لمنع الخصم وجود الملة في الفرع في القسم الأول، ولمنعه وجودها في الأصل في القسم الثاني، والصحيح أنه لا يشترط في صحة القياس الإجماع على أن حكم الأصل معلَّل، ولا كون العلة منصوصاً عليها، بل يكفي كونها مستنبطة خلافاً لمشترط ذلك (4) إذ لا دليل عليه، والله تعالى أعلم.
(1) الآمدي (الإحكام)، ج 3، ص 218 - 219، ابن عبد الشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2، ص 254 السالمي (طلعة الشمس) ج 2، ص 113.
(2) البناني (حاشية البناني على جمع الجوامع ج 2، ص 220
(3) الأمدي (الإحكام)، ج 3، ص 219 ابن عبد الشكور (مسلم الثبوت بشرح الفواتح ج 2، ص 255، السالمي (طلعة الشمس) ج 2، ص 113.
(4) اشترط ذلك بشر المريسي والشريف المرتضى كما نسب ذلك إليهما الغزالي (شفاء القليل) ص 640، والزركشي (البحر المحيط) ج 7، ص 97.
448