كتاب فصول الأصول خلفان بن جميل بن حرمل السيابي أبو يحيى

كتاب فصول الأصول

الجزء ١ · صفحة ٥٧٠

كتاب فصول الأصول

المشاهدة من السموات والأرض وما فيها وما بينها وما فوقها وما تحتها أحدث ذلك لا لحاجة منه تعالى لشيء منه، ولو شاء ما اخترع شيئاً من ذلك، فهو غني عن جميع مخلوقاته، فعال لما يريد ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والقدر كله خيره وشره كائن منه تعالى بخلقه وإرادته، علمه شامل للمعلومات كلها، وقدرته شاملة للمقدورات كلها ما علم أنه يكون أراد كونه فكان. وما علم أنه لا يكون لايريد كونه فلا يكون، فالإرادة تابعة للعلم، وصفات ذاته تعالى كالقدرة وهي صفة تؤثر في الشيء عند تعلقها به، وكالعلم وهو صفة ينكشف بها الشيء عند تعلقها به وكالحياة والإرادة والبقاء والسمع والبصر ونحوها مما اتصف بها سبحانه في الأزل، ودلت على تنزيهه عن النقائص هي قديمة، لأنها عين ذاته تعالى ليست شيئاً غيره)، وأما صفات الأفعال كالخلق والرزق والأحياء والإماتة فهي حادثة متجددة عند أصحابنا المشارقة وجمهور الأشاعرة وقديمة - أيضاً - عند المغاربة والحنفية على أن خالق عندهم بمعنى سيخلق، ورازق بمعنى سيرزق وهكذا (2)، حكاه شيخنا (3) نقلاً عن البدر الثلاتي (4) والقرآن كلامه تعالى، ووحيه وتنزيله، وهو مخلوق محدث لأنه مكتوب في المصاحف بأشكال الكتابة، وصور الحروف، متلو بالألسن محفوظ

(1) هذا مذهب الإباضية قاطبة السالمي (مشارق انوار العقول ص 173 والمعتزلة والشيعة، القاضي عبد الجبار (شرج الأصول الخمسة ص 182، أما الأشاعرة فقد ذهبوا إلى أن صفات الذات غير الذات بل هي زائدة عليها. البيهقي (الاسماء والصفات) ج 1 ص 188، الغزالي (الاقتصاد في الاعتقاد ص 22، وقد استدل أصحاب القول الأول بأدلة منها: أن صفات الذات لو كانت غير الذات للزم إما أن تكون موجودة قبله، وهذا باطل لأنه يستلزم أن يكون الله حادثاً تعالى الله عن ذلك، وإما أن تكون موجودة بعده، وهذا باطل كذلك لاستلزامه أن تكون الذات تعالى قبل وجود تلك الصفات غير متصفة بالكمالات فيلزم اتصافها بالنقص، وإما أن تكون مقارنة له في الوجود، وهو باطل - أيضاً - لاستلزامه تعدد القدماء ومما استدل به أصحاب القول الثاني قياس الغائب على الشاهد فقالوا: إن العلية والشرطية لا تتخلف في الشاهد والغائب، بل هي فيهما سواء، ولا شك أن علة تسمية العالم عالما إنما هي قيام صفة العلم به. وحد العالم هو من قام به العلم، وشرط تسمية الشيء بالمشتق هو أن يكون فيه أصل ذلك المشتق فشرط تسمية العالم عالماً هو قيام العلم به، فالعلم شرط لصحة التسمية بالعالم وعلة للتسمية) تنظر المراجع السابقة).

(2) السالمي (مشارق الأنوار) ص 173، البيهقي (الأسماء والصفات) ج 2 ص 113، أبو حنيفة (الفقه الأكبر بشرح الملا علي القاري ص 45.

(3) أي السالمي (مشارق انوار العقول ص 173

(4) البدر الثلاثي: هو الشيخ أبو سليمان داود بن ابراهيم الثلاثي الجربي - نسبة إلى جزيرة جربة بتونس، من كبار المذهب الاباضي، من مؤلفاته شرح علي متن ابساغوجي في المنطق، وشرح على الاجرومية وشرح مقدمة التوحيد توفي سنة 976 هـ. أبو اسحاق أطفيش (تعليق على كتاب مقدمة التوحيد وشروحها) ص 12.

570