النكاح صحة وفسادا وآثارا في المذهب الإباضي
الجزء ١ · صفحة ١٠٢بسبب وقوع العقد وقت صلاة الجمعة، ومثلها الصلاة بثوب الحرير فإنها مأمور بها من جهة أنها صلاة ومنهي عنها من جهة الحرير، ومثله كذلك الصلاة في الأرض
المغصوبة وفي الثوب المغصوب، والوضوء بماء مغصوب، أو حج بمال حرام. وكذلك في الاحتكار والغش فإن كلا منهما مكروه لنهي الرسول عنه؛ لأنه
احتيال.
والأمثلة كثيرة متناثرة في كتب الفقه.
ولم يكتف الحنفية بضرب هذه الأمثلة بل دافعوا على صحة موقفهم، وناقشوا الجمهور في أدلتهم، ولولا خوف الإطالة والإطناب لذكرنا أدلتهم ومناقشاتهم وردودهم، ولكننا نكتفي بهذا القدر ولا نغوص في التفاصيل حيث المقام لا يسمح بذلك وخير الكلام ما قل ودل.
وخلاصة القول:
إن لكل فريق وجهة نظر معقولة تستند إلى أدلة وجيهة، ولا تعارض بين الرأيين ويمكن الجمع بينهما باعتبار أن لكل فريق مستندا يستند إليه لإثبات صحة رأيه، فالجمهور لم يفرقوا بين الباطل والفاسد في العقود والمعاملات لأنهم لم يفرقوا بين أركان العقد وشروطه، فإذا فسد الشرط فسد الركن، بينما الحنفية فرقوا بين الركن والشرط، فلو فسد الركن بطل العقد، أما لو فسد الشرط لم يبطل العقد ما دامت أركانه قائمة وإنما يمكن تصحيح ذلك العقد بإلغاء ذلك الشرط الفاسد، والإبقاء على أصل العقد، ولم يفعلوا ذلك إلا لما أصبح العقد، واقعا، أما لو لم يحدث العقد أصلا فلا أظن أنهم يجرءون على إبقاء هذا العقد وإقامته بل يحكمون ببطلانه ما دام لم يقع بعد، وبذلك يكونون قد وافقوا الجمهور في وجهة نظرهم؛ لأن الجمهور ينظر إلى نهي الشارع سواء انعقد العقد بعد النهي أو لم ينعقد، فالنتيجة واحدة لا يترتب أي شيء على ذلك العقد، بينما الحنفية يقولون بذلك ما دام لم يقع العقد، وإن وقع فإنه يصبح العاقدان آثِمين، والعقد فاسد لفساد بعض شروطه، ولا يلغى كل العقد وإنما يترتب عليه بعض الآثار الشرعية كما قدمنا.
94